كانوا إذا سمعوا آيات اللّه هزلوا عندها ، واستهزءوا بها ، فهذا اتخاذهم دين اللّه
لَعِباً وَلَهْواً
وهو كما قال في آية أخرى :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
« 1 » فقوله عز وجلّ :
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً
كقوله :
فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ
فهؤلاء قوم حضروا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وسمعوا القرآن وعبثوا عند سماعه وتلاعبوا بآياته ، وأجروها مجرى أفعال يستروح إليها ولا نفع في عقباها ، ثم شغلوا بدنياهم عن تدبرها وألهتهم بحلاوتها عن الفكر في صحتها ، فأول أفعالهم لعب وثانيها لهو ، واللعب فعل في طاعة الجهل تتعجل منه مسرة ، واللهو قال فيه صاحب العين : ما شغل الإنسان من هوى وطرب ، فهؤلاء لما فعلوا عند سماع القرآن من الاستهزاء والعبث أطلق على فعلهم اسم اللعب ، ثم لما شغلوا عنه باستحلاء الدنيا كان هذا لهوا منهم بعد اللعب ، وكان أول دينهم لعبا وما بعده لهوا ، فلذلك قدم « لعب » على « لهو » في هذه الآية . . . وأما قوله تعالى في سورة الأعراف « 2 » :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
وتقديم اللهو على اللعب في هذه الآية فلأن الكافرين هنا لعامة الكفار غير مختص بمن سمع الآيات ، فقدم فعل أكثرهم على فعل أقلهم ، وهم الذين شغلتهم الدنيا وحلاوتها والولادة وعادتها واستحلاء ما مرت عليه طباعها ، وهذا هو اللهو ، ثم كانت أفعالهم التي اقتدوا فيها بآبائهم لما طابت لهم ولم يجدوا في العاقبة نفعا عليهم كاللعب الذي ينطوي على أفعال تبطل في الآجل وإن سرت في العاجل ، وهذا بعد الأول ، وأكثر الكفار داؤهم اللهو وإن شغلهم الحال التي استصحبوها عن الكفر فيما يطرأ عليها . فوجب هنا تقديم ذكر اللهو لوجهين : لتقدمه على ما هو كاللعب ، ولأنه فعل أكثرهم . واللعب الذي أريد في الآية الأولى فعل أقلهم وهو هناك أول وهو ما ردّ به ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . . وأما قوله تعالى في سورة الحديد :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
وتقديم اللعب فيه على اللهو ، فلأن معناه : الحياة الدنيا لمن اشتغل بها ولم يتعب لغيرها من أعمال الآخرة مقسومة من الصبا ، وهو وقت اللعب وبعده لهو وهو الترويح عن النفس بملاعبة النساء ، ويتبع ذلك أخذ الزينة لهن وتبرجهن ومن أجل الزينة نشأت مباهاة الأكفاء
هامش
( 1 ) سورة : النساء ، الآية : 140 .
( 2 ) الآيتان : 50 ، 51 .