تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
الآية التي تضمنت وصف هؤلاء القوم بما عاقبهم به فقال :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
« 1 » فوصفهم بأنهم مجرمون عند تعليق الجزاء بهم ، وقال بعده :
ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
« 2 » إلى الموضع الذي أبطل فيه حجتهم ، ودفع سؤالهم وهو :
ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ
« 3 » فقال تعالى :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
« 4 » ليعلم أن هؤلاء سبيلهم في الضلال سبيل القوم الذين أخبر عن إهلاكهم ، وقال :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ
« 5 » ليوقع التسوية بينهم في الوصف كما أوقع التسوية بينهم في الوعيد .

الآية السادسة منها

قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ
« 6 » وقال في سورة يونس « 7 » :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
. للسائل أن يسأل عن قوله :
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ
في الآية الأولى وتوحيد الضمير العائد إلى « من » حملا على لفظها وعن قوله :
مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
في الآية الثانية وجمع الضمير العائد إلى « من » حملا على معناها . ولما ذا خص الأول بالتوحيد ، والثاني بالجمع ؟ وهل كان يجوز في الاختيار عكس ذلك في المكانين ؟ الجواب أن يقال : لكل من الموضعين ما يوجب اختصاصه باللفظ الذي جاء فيه . . فأما قوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
فقد قيل فيه أنه في قوم من الكفار كانوا يستمعون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وإلى قرآنه بالليل فإذا عرفوا بها مكانه رجموه وآذوه ومنعوه من الصلاة خوفا من أن يسمعه منهم من تدعوه دواعي الحق فيسلم ، وهذا في قوم قليلي العدد يرصدونه عليه السّلام بالليل ، وكان اللّه يمنعهم عنه بنوم يلقيه عليهم وحجاب يحجبه به عنهم لقوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة : يونس ، الآية : 13 . ( 5 ) سورة : الأعراف ، الآية : 40 . ( 2 ) سورة : يونس ، الآيتان : 14 ، 15 . ( 6 ) سورة : الأنعام ، الآية : 25 . ( 3 ) سورة : يونس ، الآية : 15 . ( 7 ) الآيتان : 42 ، 43 . ( 4 ) سورة : يونس ، الآية : 17 .