تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
للسائل أن يسأل عن موضعين في الآيتين : أحدهما عن الواو في أول الآية الأولى ، والفاء في أول الآية الثانية . والثاني عن اختصاص آخر الآية الأولى بقوله :
الظَّالِمُونَ
واختصاص آخر الآية الأخرى بقوله :
الْمُجْرِمُونَ
. الجواب عن الأول وعطفه بالواو ، فإن ما تقدم من قوله :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً
إلى قوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ
« 1 » جمل عطف صدور بعضها على بعض بالواو ، ولم تعلق الثانية بالأولى تعليق ما هو من سببها ، فأجرى قوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ
مجراها وعطف بالواو عليها ، ألا ترى قوله :
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
« 2 » وبعده :
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
« 2 » الآية ، وأما الثانية فإن ما قبلها عطف بعضها على بعض بالفاء ، كقوله :
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
« 4 » فتعلق كل ما بعد الفاء بما قبله تعلق المسبب بسببه ؛ لأن المعنى : لو أراد اللّه أن لا يوحي إلي هذا القرآن لما تلوته عليكم ولا عرفتكم إياه في هذا الوقت الذي أخبرتكم أن اللّه بعثني به إليكم ، وهذا يؤديكم إلى أن تعلموا أني ثويت فيكم قبل هذا كثيرا من أيام عمري ، ولم يتهيأ لي ذلك ولا تلوت عليكم شيئا مما تلوته الآن ، فيؤديكم هذا إلى أن تعرفوا صحة ما أقول أنه من عند اللّه لا من فعلي وقولي ، فعطف بعض هذا الكلام على بعض بالفاء . . . وقوله بعده
فَمَنْ أَظْلَمُ
أي : إذا عرفتم أنه ليس من قولي لظهوره مني بعد ما لم يكن فيما مضى من عمري ، فليس أحد أشد إضرارا بنفسه منكم في قولكم على اللّه ما لم يقله . فهذا موضع الفاء وكل موضع في القرآن يكون بعد هاتين الآيتين بالواو وبالفاء ، فاعتبره بما بينته لك ، وفي الأعراف « 5 » أيضا
فَمَنْ أَظْلَمُ
بالفاء فالجواب عنه مثل ما مضى . . والجواب عن السؤال الثاني أنه لما قال في الآية الأولى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
وكان المعنى أنه لا أحد أظلم لنفسه ممن وصف اللّه تعالى بخلاف وصفه فأوردها العذاب الدائم كان قوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
عائدا إلى من فعل هذا الفعل أي : لا يظفر برحمة اللّه ، ولا يفوز بنجاة نفسه من كان ما ذكر من فعله ، فبناء الآخر على الأول اقتضى أن يكون
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
وأما الآية الثانية في سورة يونس وتعقيبها بقوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
دون قوله :
لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
وإن كان الوصفان لفريق واحد فلأنه تقدمتها
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآيات : 19 - 21 . ( 4 ) سورة : يونس ، الآية : 16 . ( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 19 . ( 5 ) الآية : 37 .