تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
مقابلتك ضمان المقابلة ، وأنت إذا قدرت قوله تعالى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أن ينلك خيرا يقدر عليه لم يستقم الكلام ؛ لأن الجزاء حقه أن يكون بعد الشرط ، والقدرة على الفعل لا تكون بعده ، والمعنى : أن ينلك خيرا يرج لأمثاله ؛ لأنه قادر عليه و
عَلى كُلِّ شَيْءٍ
وكونه تعالى قادرا من صفات النفس وإنالة الخير فعل من أفعاله ، فلا يصح أن يكون كونه قادرا متأخرا عنها فالمعنى : أن نقلك إلى سوء حال لم يملك كشفه عنك غيره ، وذلك كشدائد الدنيا من الأمراض والآلام والنقصان في الأموال ، وإن نقلك إلى حسن حال كان بعده قادرا على أمثاله ومالكا لأضعافه ؛ لأنه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدورا عليه له ، فلهذا وصفه بالقدرة على النفع والضر . وأما الآية الثانية ففيها نفي أن يغالبه مغالب ، ويمنعه عما يريد فعله مانع ؛ لأن معناها : إذا أنزل بك مكروها لم يقدر أحد على دفع ما يريد إيقاعه بك ، وإن أراد إحلال خير بك لم يرده أحد عنك ، وهو معنى : « لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت » ورتبة هذا الوصف بعد رتبة الوصف الأول ؛ لأنه يوصف الفاعل أولا بقدرته على الضدين ، وليس كل من كان كذلك كان ممتنعا عن أن يقهره قاهر فيحول بينه وبين ما يريد فعله ، فإذا وصفه بأنه قادر كان وصفه بأنه قادر غالب للقادرين لا يدفعه عن مراده دافع وصفا ثانيا ، فلاق بكل موضع ما ورد فيه ونطق القرآن به ، فالذي اقتضى هذا الوصف في الآيتين قوله قبل الأولى :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 1 » أي : إني لا أعبد إلها معه فأشرك به وقوله قبل الآية الثانية :
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
« 2 » ومثلهما قوله :
قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ
« 3 » .

الآية الخامسة منها

قوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
« 4 » وقال تعالى في سورة يونس « 5 » :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
.
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 14 . ( 4 ) سورة : الأنعام ، الآية : 21 . ( 2 ) سورة : يونس ، الآية : 106 . ( 5 ) الآية : 17 . ( 3 ) سورة : الزمر ، الآية : 38 .