أزمنة كثيرة ومدد طويلة تمنع النظر من ملاصقة السير ، كما قال في المواضع الأخر التي دخلتها الفاء لما قصد من معنى التعقيب واتصال النظر بالسير ، إذ ليس في شيء من الأماكن التي استعملت فيها الفاء ما في هذا المكان من البعث على استقراء الديار وتأمل الآثار ، فجعل السير في الأرض في هذا الموضع مأمورا به على حدة والنظر بعده مأمورا به على حدة ، وسائر الأماكن التي دخلتها الفاء علق فيها وقوع النظر بوقوع السير ، لأنه لم يتقدم الآية ما يحدو على السير الذي حدا عليه فيما قبل هذه الآية ، فلذلك خصت بثم التي تفيد تراخي المهلة بين الفعلين واللّه أعلم .
الآية الرابعة منها
قوله تعالى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 1 » وقال في سورة يونس « 2 » :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
.
للسائل أن يسأل فيقول : ما الذي أوجب أن يقرن إلى جملتي الشرط والجزاء في الآية الأولى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ
ويجعل جواب الشرط الثاني :
فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ثم قرن في الآية الثانية إلى جملتي الشرط والجزاء
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ
وجعل جوابه
فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
فخالف الأولى .
الجواب أن يقال : إن السورتين اللتين وقعت فيهما الآيتان مكيتان والأولى منهما قبل الثانية ، فأما التي في سورة الأنعام وهي :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
فمعناها : إن يمسك اللّه ضرا وهو سوء الحال فلا مزيل له غير اللّه ، ولا يملك ما يعبد من دونه كشفه ومعنى يمسسك : ينيلك ؛ لأن المماسة في الأعراض مجاز وتوسع في اللغة ، فمعنى مسه اللّه بضرّ : أناله ضرا وأوصله إليه . . وقوله :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
أي : ينلك خيرا يرج لأكثر منه ، فإنه قادر عليه وعلى أمثاله ، والدليل على أن المعنى هذا أن الجزاء إذا كان جملة ابتداء وخبر فإن معنى الخبر يكون جزاؤه مقدرا في مكان الفاء كقولك : إن زرتني فأنا مكرم لك ، وإن أحسنت إليّ فأنا قادر على مقابلتك ، التقدير : إن زرتني أكرمك وإن أحسنت إليّ قدرت على مقابلتك ، وفي قولك : قدرت على
هامش
( 1 ) سورة : الأنعام ، الآية : 17 .
( 2 ) الآية : 107 .