تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
جاز أن يقول عند ذكر ما يخوفنا به مما يصرفنا عن معصيته إلى طاعته التي تكسبنا نعيم جنته كذلك ؛ لأن هذا أشوق إلى تلك الكرامة من وصف ما أعد فيهما من النعمة . فإن قال : إن السبع الأول قد عرفت من ست منها نعمة اللّه علينا في البر والبحر ، والسابعة هي كل من عليها فان ، وأية نعمة في ذلك حتى تعد من نعمة الدنيا ؟ الجواب أن يقال : فيه التسوية بين الصغير والكبير ، والأمير والمأمور ، والمالك والمملوك ، والظالم والمظلوم ، في الفناء المؤدي إلى دار البقاء ، ومجازاة المحسن والمسئ بحقه من الجزاء ، فالمظلوم يؤخذ حقه ، والظالم يقرع فيترك الظلم له ، وسبب الفناء يعلمه الإنسان باضطرار ، فلا نعمة إذا أكبر من هذه . فإن قال : ذكر بعد قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
ثماني مرات :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
إلى أن انتهى إلى قوله :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
وجاءت بعده ثماني مرات قوله :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
كما جاءت بعد الجنتين الأولتين في أثناء الثمانية الأخر من معاني الجنتين ما في أثناء الثمانية الأول ، فما الجنتان الأوليان ؟ وما الجنتان الأخريان حتى يبعث على طلب هاتين كما بعث على طلب تينك ؟ ويجاب عن ذلك أجوبة : أولها : أن يقال : بأن التثنية هاهنا في الجنتين لاتصال الجنان ؛ أي : كلما كان الولي في جنة وصلت بأخرى ، فلا تنقطع غرائب الجنان عنه أبدا ، كما كان « حنانيك » دعاء وطلبا لرحمة متصلة ، معناه : تحنن بنعمة لا تنقطع إذا كان كذلك ، وكقولهم : لبيك وسعديك ، وسائر ما جاء مثنى يراد به هذا المعنى ، فإن قال قائل : فما معنى الجنتين الأخريتين وفي الأوليتين كفاية إذا قصد المعنى الذي ذكرت ؟ قلت : المراد بالجنتين الأوليتين : جنتان خارج قصره ، والمعنى : كلما كان في جنة وصلت بثانية غريبة مستطرفة ، ثم إذا كان في الثانية كانت حالها في اتصال أخرى بها كحال الأولى ، وعلى ذلك أبدا ، فكأنه قال :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
خارج قصره متتابعتان لا تنقطعان ، وأما :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
فإن المراد بهما على هذا الوجه : إلى أقرب من هاتين الجنتين جنات داخل قصره ، وهما في أن الجنة منهما متصلة بأخرى بعدها ، فلا يزال المكرم فيها ينتقل من واحدة إلى أخرى مثلها .