تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
تأليفات مختلفات على اعتدال من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ، ومعنى رفع السماء ووضع بنية الاعتدال ما ذكره في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
« 1 » ، أي : رفعنا السماء على الأرض ، وخلقنا الهواء بينهما ، ولم يكن للحي الذي أراد خلقه بد من هواء تخترقه الروح وتنساب فيه ، فخلق عز وجلّ آدم أبا البشر عليه السّلام من طين ، وفيه مسارب للهواء ، فجعل فيه الطين الأرضي والماء الذي قال اللّه تعالى فيه :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
« 2 » والهواء الذي تجتذب منه الأنفاس من خارج ما برد ، وتخرج منه من باطن ما حم ، والنار التي إذا فقدها الحي خمد وبطل ، فلما دبر اللّه تعالى خلقه على الاعتدال من هذه الأصول ، كان هذا الذي جمع ما ذكرنا مركبا من الأشياء التي وصفنا لكل معتدل عنده قبول ، وله عن كل خارج عن حد الاعتدال نفار ونبوّ ، حتى إن رأى مربعا مستوي التربيع ، وآخر مختلفا خارجا عن الاعتدال في الأبنية وغيرها ، يقبل الأول ويتأبى عن الثاني ، وكما في الطبع قبول البيت من الشعر إذا اعتدلت أجزاؤه واتزنت أفعاله التي وضع عليها ، ورده للمتكسر الذي فقد التعديل في البناء ، وهذا مما يضطر الإنسان إلى علمه كما يضطر في الأول إلى كراهة المعوجات وقبول المستويات ، فقال تعالى : رفع السماء وركب بنية الإنسان المعتدلة ، وكان معنى ذلك : أن لا يجاوزوا في حكم المقابلة حد المعادلة ، والميزان الثاني : الأحكام التي حكم فيها على اعتدال وقدر في الطبائع كراهية ما خرج منها على اعتداء ، كقتل نفسين بنفس والجانية إحداهما ، وقطع أذنين بأذن ، وأنفين بأنف ، وفقا عينين بعين ، وأخذ أموال بمال ، ودواب بدابة ، إلى غير ذلك من مجاوزة الحد في القصاص والأرش بما يثبت به حكم الطبع قبل حكم السمع ، وكأن المعنى : عدل خلقة الإنسان ليتوخى المعدلة في الأحكام ، والميزان الأول : بنية الاعتدال ، وهي : بنية الإنسان على الوصف الذي ذكرنا ، والميزان الثاني : الحكم بالعدل ، والثالث : آلة التعديل ، وهي : التي يقع بها الأخذ والعطاء ، فتبين بها مقادير الحقوق ليقتصر كل ذي حق على قدر ما يجب له منها ، فلا يأخذ أكثر من ما له ، ولا يعطى أقل من ما يجب عليه ، وهو القسط الذي أمر اللّه تعالى به المتبايعين لا رجحان ولا نقصان ، وإذا كان كذلك لم يكن في إعادة لفظ الميزان تكرار ، إذا كان الأول لمعنى غير معنى الثاني ، والثاني لمعنى غير معنى الثالث ، كما تخرج القوافي عن الإيطاء ، إذا اتفقت ألفاظا واختلفت معاني .
هامش
( 1 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 30 . ( 2 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 30 .