الآية الثانية من سورة الرحمن
قوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
« 1 » وتكريره إحدى وثلاثين مرة .
للسائل أن يسأل : عن العدة التي جاءت عليها هذه الآية متكررة ، وعن فائدتها .
الجواب أن يقال : نبه اللّه تعالى على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة في سبع منها ، وأفرد سبعا للترهيب والإنذار والتخويف بالنار ، وفصل بين السبع الأول والسبع الأخر بواحدة ثلاث آيات ، سوّى فيها بين الناس كلهم فيما كتب اللّه من الفناء عليهم ، حيث يقول :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
« 2 » ؛ أي : من على الأرض ، وهذه الفاصلة للتسوية بين الملائكة وبين الإنس والجن في الافتقار إلى اللّه تعالى ، وإلى المسألة والإشفاق من خشية اللّه ، وهي قوله :
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 3 » وإنما كانت الأول سبعا ؛ لأن أمهات النعم خلقها اللّه سبعا سبعا ، كالسماوات والأرضين ومعظم الكواكب ، وكانت الثانية سبعا ؛ لأنها على قسمة أبواب جهنم لما كانت في ذكرها ، وبعد هذه السبع ثمانية في وصف الجنان وأهلها على قسمة أبوابها ، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دون الجنتين الأولتين ؛ لأنه قال تعالى في مفتتح الثمانية المتقدمة :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
« 4 » فلما استكملت هذه الآية ثماني مرار قال :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
« 5 » فمضت ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما ، وثمانية في وصف جنتين دونهما للثمانية المتقدمة إليه ، فكان الجميع : إحدى وثلاثين مرة .
فإن قال قائل : فقد سوّى بين الجنة والنار في الاعتدال بالإنعام على الثقلين بوصفهما ، وإنما النعمة إحداهما دون الأخرى .
الجواب أن يقال : إن اللّه تعالى منعم على عباده نعمتين : نعمة الدنيا ، ونعمة الدين ، وأعظمهما الأخرى ، واجتهاد الإنسان ورهبته مما يؤلمه أكثر من اجتهاده ورغبته فيما ينعمه ، فالترهيب زجر على المعاصي وبعث على الطاعات ، وهو سبب النفع الدائم ، فأية نعمة أكبر إذا من التخويف بالضرر المؤدي إلى أشرف النعم ، فلما جاز عند ذكر ما أنعم به علينا في الدنيا وعند ذكر ما أعده للمطيعين في الأخرى أن يقول :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
هامش
( 1 ) سورة : الرحمن ، الآية : 13 ، وتكررت الآية في
( 3 ) سورة : الرحمن ، الآية : 29 .
السورة عدة مرات .
( 4 ) سورة : الرحمن ، الآية : 46 .
( 2 ) سورة : الرحمن ، الآية : 26 .
( 5 ) سورة : الرحمن ، الآية : 62 .