مما أخبركم به وبسائر المعلومات ،
حَكِيماً
في أفعاله المخصوصة بالأوقات ، فيقدّم ويؤخر على مقتضى الحكمة ، لا على مقتضى إرادة الخليقة .
وأما قوله :
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ أي : يملك من فيهما من الملائكة والإنس ، فإذا أراد تسليطهم على كفار عباده لينتقم منهم فعل ، وقيل :
لِلَّهِ
أي : هم عبيد له ، وقيل : لطاعة اللّه
جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ أي : خلقوا لذلك ومنها نصرة دينه . . وأما قوله بعد :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
فإنما جاء بعد قوله :
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ
« 1 » فذكر قدرته على عقابهم وقهره لهم بعذابهم ، فلما عذبهم بأن أذلهم وأباح للمؤمنين قتلهم وغنمهم أموالهم ، كان هذا المكان مقتضيا أن يتصف اللّه تعالى بالقهر والعزة والحكمة فيما يظهر من القدرة ، فصار كل من خاتمتي الآيتين في موضعه ، وهذا كما قال في هذه السورة في أهل البيعة تحت الشجرة :
وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
« 2 » فاتّصف بالعز والحكمة لما كان في موضع القهر والغلبة .
الآية الثانية من سورة الفتح
قوله تعالى :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً
« 3 » ، وقال في سورة المائدة « 4 » :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
.
للسائل أن يسأل عن زيادة لكم في قوله :
فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ
في هذه السورة ، وحذفها في سورة المائدة .
الجواب أن يقال : إن هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من غير عذر ، وتأخّروا عن الجهاد معه والغزو ، وقالوا : شغلتنا أموالنا وأهلونا ، ثم سألوه صلّى اللّه عليه وسلم أن يستغفر لهم ، يكتمون بذلك نفاقهم ، ويظهرون وفاقهم ، وأنهم محتاجون إلى استغفاره لهم وقصد استمالته ، وأن لا تضرهم عداوته ، ثم قال :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
؛ أي :
من يملك لكم نفعا
إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا
ومن يملك لكم ضرا إن
أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً
هامش
( 1 ) سورة : الفتح ، الآية : 6 .
( 3 ) سورة : الفتح ، الآية : 11 .
( 2 ) سورة : الفتح ، الآيتان : 18 و 19 .
( 4 ) الآية : 17 .