تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
للسائل أن يسأل : عن فائدة قوله :
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
واستغناء الكلام عنه في سورة الجاثية ، مع أن القصتين مشتبهتان ؟ . الجواب : أن هذا الكافر لما أخبر اللّه عنه في سورة لقمان بأنه يعرض عن القرآن إذا سمعه غير منتفع به ، حتى كأنه لم يسمعه ، ويستمر به هذا الحال كما يستمر بمن به صمم ، وقوله في الجاثية :
ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها
يدل على ما دل عليه :
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
؛ لأن الإصرار عزم لا يتهم معه بإقلاع ، فإذا أصر على التصامّ ، فهو كمن في أذنيه وقر ، فصار أحد اللفظين يغني عن الآخر ، ويقوم مقامه ، ويؤدي من المعنى أداءه ، فلذلك لم يجمع بينهما ، وكان الموضع الذي ذكر فيه :
وَلَّى مُسْتَكْبِراً
أحق بقوله :
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
والموضع الذي ذكر فيه الإصرار على ترك الاستماع أغنى عن ذكر :
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً
.

الآية الثالثة من سورة الجاثية

قوله تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
« 1 » وقال في سورة يونس « 2 » :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
. للسائل أن يسأل عن اختلاف ما اختلف من الآيتين ، وزيادة ألفاظ في سورة الجاثية على ما في سورة يونس عليه السّلام وإبدال ألفاظ مكان ألفاظ . الجواب أن يقال : إن سورة الجاثية لم يذكر فيها من قصة بني إسرائيل غير هاتين الآيتين ، والتي في سورة يونس عليه السّلام إنما هي بعد سبع عشرة آية قصرت على ذكر موسى عليه السّلام وما دار بينه وبين فرعون ، من حيث قال :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ
« 3 » إلى الآية التي ذكر فيها غرق فرعون المختومة بقوله :
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً
« 4 » وكانت هذه السبع عشرة آية قد اختصر فيها جميع ما بسط في الآيات الكثيرة من سورة طه عليه الصلاة والسلام ومن سورة الشعراء ،
هامش
( 1 ) سورة : الجاثية ، الآيتان : 16 ، 17 . ( 3 ) سورة : يونس ، الآية : 75 . ( 2 ) الآية : 93 . ( 4 ) سورة : يونس ، الآية : 92 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 300 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي