فكان الموضع موضع اختصار ، فاختصر قوله :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
عما شرح في الآيتين اللتين في سورة الجاثية ، فأودعت آية واحدة من سورة يونس عليه السّلام ما أودع في آيتين من سورة الجاثية . . فقوله :
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
أي : أنزلناهم منزل اختيار ورفعة وجلالة وتفضيل وكرامة ، ولا منزلة في الدنيا أعلى مما تجمع النبوة والكتاب والحكومة بين الناس لفضل العلم ، فقوله :
مُبَوَّأَ صِدْقٍ
مشتمل على كل ذلك ، وقوله :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
في الآيتين سواء ، وقوله :
فَمَا اخْتَلَفُوا
من تمام الآية من سورة يونس ، وهو في آية مفردة من سورة الجاثية أولها :
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ
؛ يعني أمر الدين
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
تضمّنت أربعة ألفاظ منها وهي الأمر بعد ما تضمنه لفظ واحد من الآية في سورة يونس عليه السّلام ، وهي :
حَتَّى
وذلك أن
حَتَّى
للنهاية ، أي : لم يختلفوا ، وكانوا متفقين إلى أن جاءهم العلم وهو كتاب اللّه تعالى ، فحتى لمنتهى الاتفاق ، وقد دخلت على
جاءَهُمُ الْعِلْمُ
فمجيء العلم منتهى ما تقدم ، ومبتدأ الاختلاف الذي لم يكن إلا بعد وجوده ، فاحتمل الآيتان من سورة واحدة في قصة واحدة من بسط الألفاظ ، وشرح المعاني ما اختير اختصاره حيث شغلت بتلك القصة آيات كثيرة ، وهي مع كثرتها مبنية على الإيجاز ، فكان من البسط قوله :
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما
بدل قوله :
حَتَّى
وقوله :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
بيان ما دعاهم إلى الاختلاف ، وهو البغي والحسد عداوة بعضهم لبعض ، وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
في المكانين واحد ، واللّه أعلم .
46 - سورة الأحقاف
ما فيها قد تقدم ذكره في غيرها .
47 - سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلم
ليس فيها شيء من ذلك .