تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
العجائب في خلق الحيوان وما له من الأعضاء والحواس التي بها يدرك المحسوسات ، ثم في باطنه من جواذب المواد التي بها قوام الحياة ، ثم الروح التي بها ثبات الأجساد ، أكثر من أن تحصى وتعدّ ، فإن عرضت شبهة لملحد بأن كون الولد بإحبال الوالد أمه ، ومن نطفته يأخذ شبهه ، فإنه يطرح ذاك ويرتاح بالآيات التي ليس إلى الوالد فعلها ، ولا جارحة من جوارحه يحيط علمه بنشأتها ، والحكمة في تركيبها ، فكيف أن يكون فاعلها تبارك وتعالى من صنعها وزينها بالعقل الذي هو أكبر نعمة ، فهذا هو للمتفكر في ذلك ينتقل من ظن إلى علم وتيقن بعد شك ، واليقين علم يحصل بعد تشكك ، ولذلك لا يوصف اللّه تعالى بأنه موقن ، ويوصف بأنه عالم ، فلهذا قال :
آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
. وأما الآية الأخيرة وهي :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فقد تقدم من قولنا في الفرق بين :
يَعْقِلُونَ
و ( يعلمون ) ما يبين الجواب عن الفائدة في اختصاص هذه الآية بقوله :
يَعْقِلُونَ
كما قال تعالى في سورة البقرة « 1 » :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فخص هذا المكان أيضا بقوله :
يَعْقِلُونَ
؛ لأن المعنى أنهم يفطنون بمعلوم آخر ، فيعقلون من إحياء اللّه الأرض بالمطر حتى تكتسي بالنبات والشجر أنه يحيى العظام وهي رميم ، وهذا موضع يقال فيه : عقل من كذا كذا ؛ أي : استدركه بالعلم بعد أن لم يكن مستدركا له ، فكأنه في معنى : يفطنون ، ويدرون ، ويشعرون ، كما أن أصل الوصف بالعاقل موضوع لحالة ثانية ومعرفة طارئة ، فلذلك خصّت الآية الثالثة بهذه اللفظة .

الآية الثانية من سورة الجاثية

قوله تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 2 » وقال في سورة لقمان « 3 » :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
.
هامش
( 1 ) الآية : 164 . ( 2 ) سورة : الجاثية ، الآيتان : 7 ، 8 . ( 3 ) الآية : 7 .