تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
يمكنكم إنكار ما يحل بكم بدفعه عن أنفسكم بنصرة ناصر لكم ، فاقتضى ما تقدم من ذكر أن لا ناصر لهم يدفع عذاب اللّه تعالى عنهم ، سد طرق النجاة دونهم بأنه لا ملجأ لهم ولا ذابّ عنه ، ومن دهمه الخطب العظيم الذي لا يطيق احتماله فلم يجد مهربا ولا ناصرا لم يبق له إلا الاستسلام ، والسلام .

الآية الثالثة منها

قوله تعالى :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
« 1 » وقال بعده :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
« 2 » . للسائل أن يسأل : عن مجيء :
عَلِيمٌ قَدِيرٌ
بعد ذكر الذكران والإناث من الأولاد والنعمة بهما على العباد ، ومجيء :
عَلِيٌّ حَكِيمٌ
بعد ذكر الجهة التي منها يرد أمر اللّه لعباده بطاعته ، ونهيه لهم عن معصيته ، واختلاف أحوال الرسل في خطابه لهم ، وأمره إياهم ، وهل للصفتين الأولتين اختصاص بالآية التي ختمت بهما ، وللصفتين الآخرتين اختصاص بما جاء بعده ؟ الجواب أن يقال : لما نبه اللّه العباد على ما يشاهدون من خلقه لهم من أولادهم ذكورهم وإناثهم ، وأنه يختص من يشاء بالإناث ويختص من يشاء بالذكور ، أو يؤلفهم ببنات وبنين فيجمعهما للواحد ، ومن أراد أن يعقم من الوالدين حتى لا يكون له نسل حرمه الولد ، والناس في الأولاد لا ينفكون عن الأحوال الثلاث ، قال عقيبه :
إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
؛ أي : يعلم الغيب ويطّلع على العواقب ، فيفعل ما يصلح دون ما لا يصلح ، وهو قادر لا قدرة كقدرته ، فاختلاف الأحوال التي ذكرها هو لعلمه بما يصلح منها ، وقدرته على إيجادها ، فاقتضى الفعل المتقدم هذين الوصفين . . . وأما قوله :
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
فالعلي : القادر على الشيء القاهر له ، وكذلك قال الشاعر :
اعمد لما تعلو فما لك بالذي * لا تستطيع من الأمور يدان
هامش
( 1 ) سورة : الشورى ، الآيتان : 49 ، 50 . ( 2 ) سورة : الشورى ، الآية : 51 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 293 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي