تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١

42 - سورة الشورى

قد مرت منها آيات شابهت الآيات التي في السورة قبلها ، ومما لم يمر به :

الآية الأولى منها

قوله تعالى :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
« 1 » وقال قبله في سورة لقمان « 2 » :
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
. للسائل أن يسأل : عما اقتضى توكيد الخبر باللام في سورة حم عسق في قوله :
لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
وتركه في سورة لقمان . الجواب أن يقال : إن ما رغب اللّه تعالى فيه عبده من الصبر على ما آلم قلبه من جناية جان عليه حتى يغفر لمن ظلمه ، ويهب له من القصاص حقه ترغيب فيما يشق على الإنسان فعله ، إلا أن اللّه تعالى حسنه بما وعد من عفا عما يجب له من الأجر الذي ضمنه ، ففيه مع جزيل الثواب إصلاح ما بين عشيرته وعشيرة الجاني عليه بإطفاء الثائرة عنهما ، وإذا كان هذا من أصعب ما يتحمله الإنسان ، وجب من توكيد الكلام فيه ما لا يجب في غيره ، فأدخلت اللام على :
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
على معنى أنه من الأمور التي تحتاج إلى توطين النفس عليها ، وتخير أرفعها وأعلاها ، وليس كذلك ما في سورة لقمان ؛ لأنه قال :
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
وليس يختص صبرا على ظلم يلحقه فيرغب في العفو عن الظالم ، بل تكون شدائد لا يهيج النفوس الانتصار فيها ، ولا تدعو دواعي إلى الانتقام لها من الرزايا في الأنفس والأموال ، وما يكون من قبل اللّه تعالى مما تعبدنا فيه بالصبر وليس لنا غيره . . . فأما الموضع الذي أبيح فيه الانتصاف ، فالصبر فيه أحق ، وكظم
هامش
( 1 ) سورة : الشورى ، الآية : 43 . ( 2 ) الآية : 17 .