تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
الغيظ معه أشد ، والكلام فيه إلى التوكيد أحوج ، ألا ترى أن صبر من قتل بعض أعزته رغبة فيما وعده اللّه من مثوبته ، ليس كصبر من مات له بعض أحبته ، فافتقر المكان الأول من تقوية الكلام فيما ينبه على الأصل إلى ما لم يحتج إليه المكان الآخر .

الآية الثانية منها

قوله تعالى :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ
« 1 » وقال في سورة الروم « 2 » :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
. للسائل أن يسأل : عن اختلاف ما انقطع إليه قوله :
يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
فجاء في هذه السورة :
ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ
وفي سورة الروم :
يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
. الجواب أن يقال : إن قوله :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
معناه : استقم أنت ومن معك من المؤمنين على الدين المستقيم من قبل أن يجيء يوم لا ينفع فيه الإيمان ، فكأنه خاطب الناس بالاجتماع على الإيمان والتآلف على الإسلام قبل يوم القيامة الذي تتفرق فيه الجموع ، ففريق في الجنة وفريق في السعير ،
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
« 3 » ، فلما كان قوله :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
أمرا للنّاس كلهم بالاجتماع على الحق ورفض الباطل ، حذّرهم من التفرق في الآخرة ومصير المطيع إلى دار الثواب والعاصي إلى دار العقاب ، فكان هذا ملائما لما قبله . . والآية التي في سورة حم عسق جاءت بعد قوله :
أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ
« 1 » فلما قال : إن الظالمين لا وليّ لهم ينصرهم من دون اللّه قال عند ذكر اليوم الذي لا مرد له :
ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ
، أي : لا معقل لكم تعتصمون به من عذاب اللّه ، ولا
هامش
( 1 ) سورة : الشورى ، الآيتان : 46 ، 47 . ( 3 ) سورة : الزلزلة ، الآية : 6 . ( 2 ) الآية : 43 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 292 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي