قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
؛ أي : قد كفر مثل كفرهم من كان من قبلهم فلما نزل عذاب اللّه بهم لم يملكوا دفعه بعلمهم ولا بمالهم ، ولكن أصابتهم عقوبات ما ساء من أعمالهم ، والظالمون في عصرك يا محمد سيصيبهم عقوبة ما عملوا ، ثم قال : أولم يعلموا أن اللّه يوسع على الفقير حتى يستغني ويفتح له أبواب الرزق حتى يثرى ، وأنه يضيق على من يشاء أن يضيق عليه ، ويسقم من شاء إسقامه ، ويصح من شاء صحته ، فقابل ما ادعوه من العلم لما قال كافرهم :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
فرد عليهم بأن قال : هلا علمتم ما هو واضح من أحوالكم فتعلموا أن الخصب والجدب ليسا بأيديكم ، وكذلك المرض والشفاء ليسا إليكم وإنما ذلك مما تعلمونه من بسط اللّه الرزق إذا أرسل السماء عليكم مدرارا وما تتألمون منه إذا ضن السحاب بقطره وابتلى أحدكم بفقره ، فكان
أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا
أولى بهذا المكان من قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
كما كانت
أَ وَلَمْ يَرَوْا
في سورة الروم أولى ، واللّه أعلم .
الآية الرابعة من سورة الروم
قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 1 » وقال في سورة الجاثية « 2 » :
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
.
فإن سأل سائل عن زيادة قوله :
فِيهِ
في سورة الجاثية وتركها في سورة الروم .
كان الجواب قريبا على من له أدنى معرفة ، وهو أن الهاء في قوله :
فِيهِ
عائدة إلى البحر وقد ذكر في سورة الجاثية ، فعاد إليه الضمير وهو قوله :
اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ
ولم يتقدم للبحر ذكر في الآية التي ذكر فيها جري الفلك في سورة الروم ، وإنما نبه على النعمة بالرياح وإظهار آياته فيها فقال :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ
؛ أي : باجتلاب السحاب واعتصاره للأمطار ، وهو الذي يذيقنا من رحمته مع ما يلقح منه الأشجار في وقته لوقته ، وقال :
وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ
؛ أي :
بالرياح إذا أذن اللّه تعالى لها ، وهذا مما لا إشكال فيه .
هامش
( 1 ) سورة : الروم ، الآية : 46 .
( 2 ) الآية : 12 .