تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
. وفي الثانية :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ
. وفي الثالثة :
لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
. وفي الرابعة :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
. الجواب أن يقال : أما اختصاص الأولى بقوله :
يَتَفَكَّرُونَ
فإن الاختصاص بما ذكر قبله يؤدي الفكر فيه إلى معناه ، وهو قوله :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
؛ أي : خلق لكم من جنسكم وشكلكم نساء ، وهذا أدعى إلى الألفة والمحبة لوجود المشاكلة ، وقوله :
لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
؛ أي : جعلها على حال تعظم المسرة بها ، ويطمئن القلب إليها ، فإذا فكر الإنسان في خلقها ونعمة اللّه على الرجال بها سوى أنهن أوعية الأولاد الذين إذا بروا فمن أكبر نعم اللّه على العباد فالفكر في ذلك وفي المعاني التي لها خلقن يؤدي إلى العلم بقادر عليم ، وصانع حكيم ، وواحد قديم لا يقدر أحد كقدرته ولا يعرف حكيم حدا لحكمته ، فحثنا بالتفكر على العلم بهذا كله . . وقوله :
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
؛ أي : ميل نفس بالمجانسة ورقة قلب تبعث على التعاطف ، ليتكامل سرور كل منهما بصاحبه ، وذلك من فضل اللّه تعالى ونظره لخلقه . . . وأما قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ
فلأنه جاء بعد قوله :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
« 1 » ولا أحد إلا والسماء تظله والأرض تقله فلا ينفك منهما ولا يخلو من كونه بينهما يعلم ذلك باضطرار ، وأما اختلاف الألسنة فالمراد : أن آلات الكلام متقاربة وأجناس الأصوات والنغم مختلفة ، حتى يرى كل واحد من الناطقين مختصا بلطيفة من اللّه في صوته وفي جرس لسانه لا يخفى بها على من عرفه إذا سمع كلامه ، والمستمع يميز بينه وبين من سواه قبل أن يراه ويعلم هذا كله من نفسه وممن يحاوره ويعاشره ويناطقه ، حتى لا يكاد يرى اثنين في الدهر العظيم والعدد الكثير يتشابه صوتاهما ، ويلتبس كلامهما ، وهذه اللطيفة لا سبيل إلى وصفها ، حتى يتهيأ وصف كل صوت بما يحصره على صاحبه ، ويخصه بناطقه تبارك اللّه أحسن الخالقين ، وكذلك قوله :
وَأَلْوانِكُمْ
ليس المراد بها : السواد والبياض والسمرة والحمرة والأدمة والصفرة ، وإنما المعنى اختصاص كل واحد من الناس بخلقة ، وانفراده بصورة يقارنها لفظ تدبير من اللّه تعالى يجعله على لون ونوع من التصوير يتميز به عن سائر أمثاله ، حتى لا يلتبس بواحد من أشكاله ، فلا تكاد تجد في بلد تحوي من لا يحصر بعدد اثنين يتشابهان
هامش
( 1 ) سورة : الروم ، الآية : 22 .