الجواب أن يقال : قوله تعالى في سورة الروم :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
جاء عقيب قوله :
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ
« 1 » . والمعنى : إذا أنعمنا عليهم نعمة ترى عليهم ، وتملأ مسارحهم ومراحهم ، وتعمر أفنيتهم وآنيتهم ملكهم الفرح واستولى عليهم البطر ، وإن أصابتهم عقوبة على ما قدموا من معصيته ، ونالتهم شديدة من جدب وقحط يصفر لها الإناء ويفرغ منهما الفناء ، حتى لا ترى لهم ثاغية ولا راغية لم يعتبروا ، ولم يقلعوا عما أتوا مما جر عليهم تلك الشديدة ، وفعلوا فعل من ييأس من أن يأتيه اللّه بعد ذلك بنعمة إن تدارك سيئة بتوبة ، فكان الأليق بهذا المكان : أولم يروا أموال من بسط اللّه له الرزق فيعلموا أنه يوسع لمن يشاء ويضيق على من يشاء ، وكلتا الحالتين مرئيتان عندهم مشاهدتان لديهم ، فإن من بسط له الرزق رؤي ماله ، ولم يخف على المشاهد حاله ، ومن انقلب أمره وانقطع خيره أدركت العين منه خلاف ما كان قبل ، فلما جاءت هذه الآية بعد ذكر النعمة إذا وهبت وحال الإنسان فيها إذا سلبت والنعمة مرئية لاق بهذا المكان
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
.
وأما الآية في سورة الزمر فإن قبلها « 2 » :
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
فقوله :
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا
والضر : سوء الحال من مرض في النفس ، ونقص في المال ، وهو الذي شكاه أيوب عليه السّلام بقوله :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ
« 3 » وقوله :
ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا
؛ أي : إذا أعطيناه بعد العلة صحة وبعد القلة ثروة ادعى أنه أوتي ما أوتي بعلمه ، وأنه جلب العافية لنفسه بظنه ، وأنه لم تعاوده الصحة من قبل ربه ، ويقول فيما يحسن من حاله : إني افتقرت قبل لأني قصرت ، والآن علمت كيف التأتي للاكتساب واستعادة الغنى بعد الافتقار ، وتلك النعمة من اللّه وهي فتنة له أي : تشديد في التكليف عليه ؛ لأنه مطالب بمعرفتها التي ذهب عنها وعن حكمها ، وغفل عن شكر واهبها ، وألهاه الانغماس في لذتها عن حمد من تفضل بها ، وأكثر الناس يعلم بموجبها وكأنه لا يعلمه فهذا معنى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، ثم قال :
هامش
( 1 ) الآية : 36 .
( 3 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 83 .
( 2 ) الآيات : 49 - 52 .