افتتاح قصة موسى عليه السّلام مع فرعون ، وفيها نحو ثلاثين آية فاقتضى ذلك في هذه الآية الشرح الذي لم يكن في غيرها فقال :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ
فأظهر الكون الذي صار من قبلهم ظرفا له ثم قال :
كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً
« وهم » للفصل توكيد للخبر ، فاختصّ التوكيد والشرح بموضعهما . . .
وأما التي في آخر هذه السورة ، وهي :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ
فقد تكلمنا في الفاء مكان الواو في « أولم » وهي : أنها في موضع جمل كالآية في سورة الروم ؛ لأن قبلها
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » فبنيت الآية على الإيجاز الذي بنيت عليه تلك فقال :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً
فحذفت الواو من كانوا ؛ لأنها استئناف أخبار ، كأنه قال : كانوا أكثر منهم وكانوا أشد قوة وكانوا أكثر آثارا في الأرض ، ومثله مما أجمل فيه القول :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها
« 2 » وقوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
« 3 » وكانت لقريش رحل إلى الشام يجوزون فيها بديار عاد وثمود فيرون آثارهم ويشاهدون ديارهم ، فاستدعت هذه الآيات اعتبارهم فما اعتبروا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون .
الآية الثانية من سورة الروم
قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
« 4 » .
للسائل أن يسأل : عما ختمت به هذه الآيات ، فجاء في الأولى :
هامش
( 1 ) سورة : غافر ، الآية : 78 .
( 3 ) سورة : الحج ، الآية : 46 .
( 2 ) سورة : محمد ، الآية : 10 .
( 4 ) سورة : الروم ، الآيات : 21 - 24 .