تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
الجواب عن ذلك أن يقال : أما الأولى في سورة العنكبوت فإنها جاءت بعد قوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
« 1 » فلما ذكر : أن اللّه تعالى هو رازق جميع الحيوانات ما ادخر منها كالنمل ، وما لم يدخر كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، فبيّن اللّه أنه كما كان في غيرنا من الحيوان ما هو موسع عليه ، وما هو مضيق عليه كذلك الأمر فينا ثم قال :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ
وكان بعد القسمة الأولى من يبسط له الرزق في حال ، ويضيق عليه في أخرى فقال :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ
فالهاء في « له » ترجع إلى ما شاء من عباده ، ومن يشاء مفعول ببسط ، فكان من يقدر له هو من يبسط له في وقتين مختلفين ، فاقتضى هذا المكان اللفظ الذي جاء فيه بالمعنى الذي هو غير الأول من جمع البسط والقبض لواحد في حالين ، وكذلك قوله :
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
« 2 » ، وأما قوله في سورة القصص « 3 » :
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ
والمعنى : انتبهوا لأن اللّه يوسع الرزق لمن يشاء لا لكرامته كما وسع على قارون ، ويضيقه على من يشاء لا لهوانه كما ضيق على كثير ممن آمن به ، ثم قال تعالى حكاية عنهم :
لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا
« 3 » ؛ أي : لولا منّ اللّه علينا بأن صرف عنا الغنى الذي يقع الكفر معه لكفرنا نحن مثل كفره ، ولخسف بنا كما خسف به فقوله :
لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ
أي : يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له ، ويقدر لمن يشاء قدره عليه ، فأضمر الفعل الثاني مثل ما تعدى إليه الفعل الأول وهو « من يشاء » لعلم المخاطب به ، وأنه في المعنى غير الأول وإن كان في اللفظ مثله . . وأما الآيتان في سورة حم عسق وسورة الرعد ، فإنهما مقصورتان على ذكر البسط والقبض فحسب ، والتي في الرعد « 5 » جاءت مع قوله :
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا
وفيه دليل على أنهم موسع عليهم في الرزق لقوله :
وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا
ولما قال لهم
سُوءُ الدَّارِ
أي : وسع عليهم في الدنيا ليس لكرامتهم ، وأن من ضيق عليه فيها ليس ذاك لهوانه ، فاقتضى المكان هذا لأجل المعنى ، ووقع اختصار في اللفظ في الفصل الثاني ؛ لأن ما تعدى إليه مثل ما
هامش
( 1 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 60 . ( 3 ) الآية : 82 . ( 2 ) سورة : سبأ ، الآية : 39 . ( 5 ) الآيتان : 25 و 26 .