كل جزاء جوزي به عامل ، وذلك تشريف وكرامة . . وأما الآية التي في سورة العنكبوت فإن ما قبلها مبني على أن يدرج الكلام فيه على جملة واحدة وهي :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
فقوله :
الَّذِينَ آمَنُوا
مبتدأ وقوله :
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
في موضع خبره فهذا الخبر يتصل به مفعولان الأول : هم ، والثاني قوله :
غرفا ، وغرفا نكرة موصوفة بقوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
وقوله :
خالِدِينَ فِيها
حال من التبوء ، فلما جعلت هذه الأشياء كلها في درج كلام واحد وهو جملة ابتداء ، وخبر ، واحتمل قوله :
نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
أن يجيء بالواو وأن يجيء من دونها اختير مجيئها بغير واو ليشبه ما تقدم من عقد بخبر لا على سبيل عطف ونسق ، ويحتمل أن يكون في موضع خبر مبتدأ ، فكأنه قال : ذلك نعم أجر العاملين ، ويكون قوله « ذلك » إشارة إلى ما ذكر اللّه تعالى من إسكانهم الجنة ، فيجري بلا واو مجرى ما هو من تمام الكلام الأول كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
« 1 » فقوله :
ذلِكَ
وإن انقطع عن الأول في اللفظ فإنه متصل به من طريق المعنى ، وكأنه قال : لهم ما يشاءون عند ربهم مشار إليه بأنه الفضل الكبير وقوله :
نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
أي : ذلك نعم أجر العاملين مشار إليه بالتفضيل على أجور العاملين ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا في الآيتين لم يلق بكل واحدة منهما إلا ما جاءت به فاعرفه .
الآية السادسة من سورة العنكبوت
قوله تعالى :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 2 » وقال في سورة القصص « 3 » :
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا . . .
وقال في سورة حم عسق :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 4 » وكذلك في سورة الرعد « 5 » :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا
.
للسائل أن يسأل عن الآية الأولى ، وتخصيصها بالذكر بقوله :
مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ
من دون قوله : « له » عن الأخريين ومجيئهما من اللفظتين عاريتين ، وهما « من عباده » « وله » .
هامش
( 1 ) سورة : الشورى ، الآيتان : 22 ، 23 .
( 4 ) سورة : الشورى ، الآية : 12 .
( 2 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 62 .
( 5 ) الآية : 26 .
( 3 ) سورة : القصص ، الآية : 82 .