للسائل أن يسأل : عن تسمية الجاحدين في الآية الأولى بالكافرين ، وفي الثانية بالظالمين ، وأولئك ظالمون كما أن هؤلاء كافرون فلما ذا اختصاص الأولى بتلك الصفة والثانية بهذه الصفة ؟
الجواب : أن من جحد آيات اللّه فقد كفر نعمته وهذا أول ما يفعله ؛ لأن ذلك متعلق بما قبله ممن تولى خلقه وأنعم عليه بما استوجب به شكره ، فأول فعله كفر نعم اللّه ، ثم إنه مسيء إلى نفسه ظالم بأن أبدلها من النعيم الذي عرض له عذابا لا يطيقه ، فكفره أول في الذكر ، وظلمه ثان ؛ لأنه فوت نفسه عظيم الأجر آخرا في العمل ، فقدم الكافرين على الظالمين لذلك .
الآية الخامسة منها
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
« 1 » وقال في سورة آل عمران « 2 » :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
.
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة آل عمران بالواو في قوله :
وَنِعْمَ
وإخلائها في سورة العنكبوت منها .
الجواب أن يقال : إن الآية من سورة آل عمران مبنية على تداخل الأخبار ؛ لأن أولها :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
، ف « أولئك » مبتدأ « وجزاؤهم » مبتدأ ثان ، « ومغفرة » خبر المبتدأ الثاني ، وهو مع خبره خبر المبتدأ الأول ، والجزاء : هو الأجر فكأنه قال : أولئك أجرهم على أعمالهم محو ذنوبهم وإدامة نعيمهم ، وهذا الأجل مفضل على كل أجر يعطاه عامل على عمله ، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هدفت لرجاء الراجين ، وأكملت بها منية المتمنين ، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي تفضل فيه المواهب المرغب فيها ، فحقه أن يعطف على ما قبله بالواو ، وكقولك : هذا الجزاء كذا وكذا أي : هو ترك المؤاخذة بالذنب ، والتنعيم في جنة الخلد ، وتفضيله على
هامش
( 1 ) سورة : العنكبوت ، الآيتان : 58 ، 59 .
( 2 ) الآية : 136 .