وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
.
للسائل أن يسأل عن فائدة قوله :
وَلا فِي السَّماءِ
في سورة العنكبوت والاقتصار على ذكر الأرض في هذه ، وهل كان يصلح أحدهما مكان الآخر ؟
الجواب أن يقال : إن الآية التي في سورة العنكبوت تحكي قول إبراهيم عليه السّلام لكفار قومه وفيهم نمرود بن كنعان الذي حاجّه ، وفي كثير من الأخبار أنه رام الصعود إلى الجو يوهم أنه يحاول السماء كما قال فرعون لهامان في بناء الصرح ما حكاه اللّه تعالى في كتابه في موضعين ، فقال لهم إبراهيم عليه السّلام : لا تفوتون اللّه في الأرض كنتم أو في السماء ، ولا سبيل لكم إليها كما قال اللّه تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
« 1 » . وأما الآية في سورة حم عسق « 2 » فإنها بعد قوله :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
وهذا عام في المصائب والمراد به الخصوص ؛ لأنه ليس مصيبة مستحقة باجترام إذ قد يصاب من لا جرم له ، ومن لم يبلغ حد التكليف ، فيجب عقابه على ذنب يكون منه ، والمخاطبون مخصوصون بالمعنى وإن عموا باللفظ ، وقوله :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
أي :
عن ذنوب يتجاوز عنها ولا يؤاخذ بها ، ولا يكون ذلك للكفار ؛ لأن العفو مبذول لمستحقه ، وإذا صح أن هذا الخطاب متوجه على المسلمين وتبعه قوله :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
« 3 » علم أنه وعيد لهم ، وليسوا من القوم الذين يخاطبون بقوله :
وَلا فِي السَّماءِ
، ومعناه : لا تسلكون مسلكا تلتجئون إليه من عقاب اللّه إذا وجب عليكم ، وقد جاء هذا بغير لفظ الأرض والسماء وهو قوله :
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
« 4 » فيكون هذا مطلقا في كل ملجأ ومهرب . وقد قيل في قوله :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
؛ أي : لا تفوتون من في الأرض من الإنس والجن ولا من في السماء يعني : من الملائكة ، وهم خلق اللّه ، فكيف تعجزون الخالق تعالى عن ذلك . .
وقول ثالث وهو أن يكون المراد : لا تفوتون أنفسكم ما يحق من عقاب اللّه عليكم إن هربتم في الأرض كل مهرب ، وإن صعدتم في السماء كل مصعد لو استطعتموه كما قال :
هامش
( 1 ) سورة : الرحمن ، الآية : 33 .
( 3 ) سورة : الشورى ، الآية : 31 .
( 2 ) الآية : 30 .
( 4 ) سورة : الزمر ، الآية : 51 .