أب وصى ابنه بمجانبة الشرك ، وقرن إليه ما كان من خلاف ابن لأم بعثته جهدها على الكفر ، ومما روي عن لقمان في معنى الوصية أنه قال : يا بني إن اللّه رضيني لك ، فلم يوصني بك ، ولم يرضك لي فأوصاك بي ، وهذا كلام شريف له وقع كبير ذكرناه ليتدبر معناه .
وأما الآية الثالثة : فإنها وردت فيمن أوصي بوالديه وهما مؤمنان لا يمنعانه عن الإيمان ، وهو من طاب نفسا وأصلا ورغب إلى اللّه أن يطيب فرعا ؛ لأنه قال تعالى حكاية عنه :
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
« 1 » وبعد هذه الآية ذكر ولد كافر استغاث اللّه والداه لإصراره على كفره ولما أعياهما من مداراة أمره . . . فأما قوله :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
« 2 » فالمراد : أقل حمله وهو ستة أشهر .
ويروى أن عثمان بن عفان رضى اللّه عنه أتي بامرأة ولدت لستة أشهر ، فشاور الناس في رجمها فقال ابن عباس رضى اللّه عنه : إن خاصمتكم إلى كتاب اللّه خصمتكم ، قال اللّه تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
، وقال :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
، فالحمل ستة أشهر ، والفصال عامان ، فخلى سبيلها وأما معنى قوله :
وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
أي : في انقضاء عامين ؛ لأن الفصال هو الفطام : إذا فصل الولد عن الأم ، فكانت الوصية الأولى في سورة العنكبوت وصية مجملة عامة للناس ، والثانية فيمن منعه أحد والديه عن الإيمان ، والثالثة فيمن آمن وآمن أبواه ، وسأل اللّه أن يصلح أولاده ، وكان هذا مذكورا مع آية في ذكر ولد كافر يجتهد والداه في دعائه إلى الإيمان ، والثالث في مؤمن أبواه مؤمنان ، والثاني في مؤمن أحد أبويه يمنعه من الإيمان ، فالأول عام كما ترى ، وقد استوعبت القصة ما يحتاج إلى ذكره في دعاء من يدعو ولده إلى كفره .
الآية الثانية من سورة العنكبوت
قوله تعالى :
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
« 3 » وقال في سورة حم عسق « 4 » :
هامش
( 1 ) سورة : الأحقاف ، الآية : 15 .
( 3 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 22 .
( 2 ) سورة : الأحقاف ، الآية : 15 .
( 4 ) الآيتان : 31 ، 32 .