تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
من ذنبها ، فلما لم تفعل ، عوقبت في الدنيا سوى ما أعدّ لها في الآخرة . وقال في أول هذه السورة :
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
« 1 » إلا أنه أراد أن لا يكونوا كالملجئين في دينهم إلى اعتقاد ما يعتقدونه ، وأمهلهم رحمة منه بهم ، فقال :
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ
، فاختص هذا الوصف هنا لذلك . . وأما قوله في سورة الأنبياء :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
، فلأنه عدّ إصلاح أديانهم من جملة إصلاح أبدانهم ، والرب القائم بما يصلح العبد ، والدين أبلغ في إصلاحه مما يغذوه من طعامه ، وخص هذا الموضع بذكر ربهم ؛ لأنه قال :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
« 2 » ، ولا يغفلون إلا إذا كانوا في رغد من عيشهم ، ولا سبيل إليه إلا بمظاهرة النعمة من اللّه تعالى ، وفعله هذا بهم ، يقتضي وصفه بربهم .

الآية الثانية منها

قوله تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
« 3 » وقال في سورة الصافات « 4 » :
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
. للسائل أن يسأل : عن زيادة ذا في قوله في الصافات :
ما ذا تَعْبُدُونَ
، وإخلاء ما في الشعراء منها . الجواب أن يقال : إن قوله : ما تعبدون معناه : أي شيء تعبدون ، وقوله « ما ذا » في كلام العرب على وجهين : أحدهما : أن تكون « ما » وحدها اسما ، و « ذا » بمعنى : الذي ، والمعنى : ما الذي تعبدون ، وتعبدون صلة لها . والآخر : أن تكون « ما » مع « ذا » اسما واحدا بمعنى : أي شيء ، وهو في الحالين أبلغ من « ما » وحدها إذا قيل : ما تفعل ، فما تعبدون في سورة الشعراء إخبار عن تنبيهه لهم ؛ لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم ، فأجابوه وقالوا :
نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ
، فنبه ثانيا بقوله :
هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ
، وأما
ما ذا تَعْبُدُونَ
في سورة الصافات ، فإنها تقريع ، وهو حال بعد التنبيه ، ولعلمهم بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم لم يجيبوا كإجابتهم في الأول ثم أضاف تبكيتا إلى تبكيت ، ولم يستدع منه جوابا فقال :
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، فلما قصد في الأول التنبيه كانت « ما » كافية ، ولما بالغ وقرع استعمل اللفظ
هامش
( 1 ) سورة : الشعراء ، الآية : 4 . ( 3 ) سورة : الشعراء ، الآيات : 69 - 71 . ( 2 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 1 . ( 4 ) الآيات : 83 - 87 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 229 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي