تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
الجواب أن يقال : إن قوم صالح في حال هذا الخطاب ، لم يدفعوا أمره كما دفع أمر شعيب قومه ، فيما حكى اللّه تعالى من قولهم لصالح عليه السّلام ،
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
، ثم لم يطلبوا منه ما ليس لهم طلبه ؛ لأنهم قالوا :
فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
، وهذا لا شطط فيه ، ولا في قولهم :
أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
، وقولهم :
ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
؛ لأن اللّه تعالى يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
« 1 » ، والمسحرون فيه أقوال أحدها : الذين لهم سحر وروية وقيل : المعللون بالطعام والشراب كما قال امرؤ القيس :
أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب
وقال لبيد :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر
وقيل : المسحرون : المسحورون ، كأنه سحر مرارا حتى خبل وفسد عقله واضطرب رأيه ، عن مجاهد وقتادة ، وقيل : المسحرون : المخلوقون ؛ عن ابن عباس ، فالموضع الذي لا واو فيه هو بدل من الجملة التي قبله ، ثم قال :
فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
، ولهم أن يقولوا ذلك ، وأما قوم شعيب فإنهم في خطابهم المحكي عنهم مشطون ومبالغون في رده وتكذيبه فقالوا :
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
، على خبرين عطف أحدهما على الآخر ، وقالوا بعده :
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
على معنى : وإنا لنظنك كاذبا أي : الغالب في أمرك عندنا أنك كاذب ، فلم يجعلوا الخبرين خبرا واحدا ، بل جعلوها أخبارا ثلاثة قولهم :
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ
؛ أي : لست من الملائكة الذين هم رسل اللّه إلى خلقه ، فلا يطعمون ولا يشربون ، بل أنت من المغتذين بالطعام والشراب ، وقولهم :
وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي : لا فضل لك علينا ، فهو خبر ثان ، وقوله :
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
خبر ثالث ، ثم طلبهم إسقاط كسف من السماء تكون أمارة لصدقه خلاف ما طلبته ثمود حين قالت :
فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
، ولم تقترح بالحالة التي كانت فيها عند مخاطبة نبيها لها ، ولم يقارنها من التمرد ما قارن حال قوم شعيب حين ردوا عليه في خبر بعد خبر ، فكان موضع الواو في قصتهم لذلك ، ولم يكن لها موضع في الأول لما بينا من إبدالهم الجملة الثانية من الأولى ، واقتصارهم على بعض ما انبسط فيه غيرهم .
هامش
( 1 ) سورة : الكهف ، الآية : 110 .