بأعيانهم ، وإنما المراد : من فعل منكم ذلك فحدّه كذا وحدّه كذا في الدنيا وعذاب دائم في الآخرة ، ومخاطبة أهل الإفك لأقوام معينين أكبر لعظم ذنبهم ، وأنهم لم يهلكوا لرأفته بهم ، فكان كل موضع من الموضعين مقتضيا لما اختص به من الآيتين .
الآية الثانية منها
قوله تعالى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
« 1 » .
للسائل أن يسأل فيقول : لم قال في الأولى :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
وقال في الثانية :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ
؟
الجواب : أن في الأولى إشارة إلى ما تقدم ذكره فيما أوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ
إلى قوله :
ثَلاثُ عَوْراتٍ
« 2 » وجعل الأوقات الثلاثة آيات لهم ، وعلامات للمنع من دخول المماليك والأطفال على النساء ، وجوازه فيما سواها ، وعبّر عنها بالآيات لما لم يكن تبيين الأوقات من الأفعال التي تتخصّص بقدرته ، ولما كان بلوغ الحلم مما يختص بفعله ، ولم يقدر فاعل على مثله إضافة إلى نفسه فقال :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ
ويبين ذلك قوله في العشر الأخير بعد قوله :
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ
« 3 » إلى قوله :
أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
« 4 » بعد القربات التي أجاز تناول طعامها
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 5 » فلم يضفها إلى نفسه ؛ لأنها آيات مثل الأول التي تقدمت في أنها لا تتخصص بقدرته أي : يبين لكم العلامات التي ينصبها على ما يبيح وما يحظر وما يضيق فيه وما يوسع ومثله قوله تعالى :
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
« 6 » لما أشار إلى حد الزاني والقاذف والفرق بين المكانين واضح ، فاعرفه إن شاء اللّه .
هامش
( 1 ) سورة : النور ، الآيتان : 58 ، 59 .
( 4 ) سورة : النور ، الآية : 61 .
( 2 ) سورة : النور ، الآية : 58 .
( 5 ) سورة : النور ، الآية : 61 .
( 3 ) سورة : النور ، الآية : 61 .
( 6 ) سورة : النور ، الآيتان : 17 ، 18 .