تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
أثبتوا الخلق الأول لزمهم الخلق الثاني . . وأما قوله تعالى :
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
« 1 » فإنما معناه : من الذي به قوام السماوات السبع والعرش العظيم ، ولا يستغنى عنه وهذه الأشياء من أكبر ما يرى من خلق اللّه تعالى ، وما ثبت بالصدق من الخبر عندنا فمن كان مالك السماوات والأرض والعرش العظيم وأقررتم له بذلك ، فلم لا تجتنبون معصيته ولا تتقون عقوبته ؟ إذا كانت هذه الأجرام العظيمة لا تستغني عنه ساعة ، فأنتم في ضعفكم أحوج إلى أن يربكم ، وأن تقوموا بحق ربانيته لكم ، فتمتنعوا بطاعته من موجب عقابه ، فهذه لائقة بمكانها حالّة في موضعها . . وأما الثالثة : وهي :
فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
فإنها جاءت بعد تقرير ثالث وهو :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
« 2 » ؛ أي : من الذي ملكه على الأشياء أتمّ ملك ، وهو يمنع ولا يمتنع منه ؟ أي : يمنع من المكروه من شاء ، ولا يملك أحد منع من أراده بسوء ، وهذا أعظم ملك وأبلغه ، فإذا أقروا بذلك فقل لهم : كيف تخدعون عن عقولكم حتى تتخذوا الأوثان والأصنام آلهة وهي لا تسمع ولا تبصر مع القادر العليم الذي قد أقررتم له بأتم الملك وبكل الخلق الذي يشهدكم والذي يغيب عنكم وقوله :
فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
؛ أي : من أين يأتيكم ما يغلب على عقولكم ، فيخيل الباطل إليها حقا والقبيح عندها حسنا ، أمّن علمكم بأن اللّه مالك الأرض ومن فيها ، أم من علمكم بأنه رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، أم من علمكم بأن له الملك الأغلب والعز الأغلب وأنه يمنع ولا يمنع منه ويحمي من عقابه ولا يحمى منه وليس في شيء من ذلك ما يرى الفاسد صحيحا والمعوج قويما ، فهذا الذي ختم به الثالثة ناظم معناه بخواتيم ما قبله ، وكل في مكانه اللائق به ، واللّه أعلم بالصواب .
هامش
( 1 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 86 . ( 2 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 88 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 223 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي