الجواب أن يقال : إن القصة الأولى وإن خرجت عن لفظ التنكير فقال :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
« 1 » فإنه معلوم من المراد بالرسول وبالمرسل عليهم ، فدل على ذلك بأن قال : أهلكتهم الصيحة ، وهم قوم صالح عليه الصلاة والسّلام ، فلما كان في أقوام معلومين أتى بذكرهم معرفة فقيل :
بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وخص وصفهم بالظلم ؛ لأنه شيء عاملوا به غيرهم ، وعاملوا به أنفسهم لتكذيبهم الرسل ، وظلمهم لهم بنسبتهم إلى ما هم منزهون عنه ، ثم هم ظالمون لأنفسهم إن منعوها ما عرضوا له من نعيم الأبد والثواب السرمدي . وأما قوله :
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
فإنه جاء بعد خاتمة قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
« 2 » فلم يبين بالمعنى من المراد كما بين في الأولى ، وكانوا منكورين للمسلمين ، فلما أمرهم بلفظ الدعاء عليهم استعمل فيهم ما استعمل فيمن لم يتعين ولم يشتهر فنكر اللفظ ، فقال : لقوم لا يؤمنون أي : أهلك اللّه كل قوم لا يؤمنون عند ظهور آيات اللّه لهم ، ووجوب حجة اللّه تعالى عليهم ، والمعنى : بعدا لكل قوم أليق بقوله :
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
« 3 » فأخبر خبرا عاما وأمر أن يدعى عليهم دعاء عاما ، فوجب في كل موضع ما جاء فيه دون الآخر .
الآية الرابعة منها
قوله تعالى « 4 » :
بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وقال في سورة النمل « 5 » :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
.
للسائل أن يسأل عن تقديم توكيد المضمر المرفوع بقوله : « نحن » وتأخير المفعول وهو « هذا » في الآية الأولى ، وعكس ذلك في الآية الثانية ، وهل لذلك فائدة تقتضي لكل مكان ما خص به ؟ .
الجواب أن يقال : لما كان الأول في حكاية تظاهرت فيها أفعال أسندت إلى فاعليها
هامش
( 1 ) سورة : المؤمنون ، الآيتان : 31 ، 32 .
( 4 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 81 - 83 .
( 2 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 42 .
( 5 ) الآيتان : 67 ، 68 .
( 3 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 44 .