حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
.
للسائل أن يسأل فيقول : لم اختلف في الآيتين قوله :
قُلْنَا احْمِلْ فِيها
وقوله :
فَاسْلُكْ فِيها
وهل كان يصلح كل واحد منهما مكان الآخر أو هناك معنى يخصص كلا بمكانه ؟
الجواب أن يقال قوله :
قُلْنَا احْمِلْ
إخبار عما كان من اللّه تعالى إلى نوح عليه السّلام من الأمر بحمل ما يحمله في السفينة ومن يحمله من المؤمنين ، وتقدم إليه بإعدادهم للركوب معه ، ومنع من حظر عليه استصحابه ، ثم بعد ذلك أمره بقوله :
ارْكَبُوا فِيها
« 1 » فالأول : أمر بتهيئة ما يستبقى من الحيوان ، وما يستبقى من المكلفين ، والثاني :
أمر بركوب السفينة ، والثالث : أمر بالهبوط منها بقوله :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ
« 2 » فالذي جاء في سورة هود جاء على مقتضى أوامر اللّه المفصلة إعداد من يركب معه ومن الركوب ومن النزول . وأما قوله في سورة المؤمنين :
فَاسْلُكْ فِيها
فإنه مجمل على ما فصل في الآية الأولى إذ كان الشرح والبيان مقصورين عليها ، وكانت الثانية مشتملة على بعض ما اشتملت عليه الأولى ، وهو قوله :
فَاسْلُكْ
ما يتضمن احمل واركب واعبر ، ومن ذلك سمي الطريق : مسلكا ، وسلكه ينابيع في الأرض أي :
أجراه ، وسلك الطريق أي : نفذ فيه ، فكان موضع الاختصار أولى بالمجمل من الكلام ، وموضع البيان أولى بالبسط ، فقصة نوح في سورة هود قد شغلت بها خمس وعشرون آية ، وهي في سورة المؤمنين واقعة في ثمان آيات ، فاقترن بكل من المكانين ما اقتضاه القصد من زيادة بيان ، أو اختصار كلام .
الآية الثالثة من سورة المؤمنين
قوله تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 3 » وقال بعده في ذكر القرون :
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
« 4 » .
للسائل أن يسأل : ما الذي أوجب في الأولى :
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
، وفي الثانية :
لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
؟
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآية : 41 .
( 3 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 41 .
( 2 ) سورة : هود ، الآية : 48 .
( 4 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 44 .