فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
« 1 » فعطف « لما » بالفاء دون الواو ، وما الفرق الذي أوجب اختلاف حرفي العطف في المواضع الأربعة من هذه السورة .
الجواب أن يقال : إن هذا الحرف في قصة هود بعد خروج من خبر عنه حكاية لقوله إلى ما هو إخبار من اللّه عما كان من فعله ، ألا تراه قال تعالى :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ
« 2 » إلى قوله :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً
« 3 » أن يهلككم ويقيم غيركم مقامكم فينزل بكم أكبر الضرر ، ولا تضرونه شيئا بعبادتكم غيره ، ثم قال :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
« 4 » فلم يتقدم تخويف يقرب ما أوعدوا به ليدل على اتصال الثاني بالأول ، واقتضاء العطف بالفاء ، فكان الموضع موضع الواو ؛ لأن المراد الجمع بين الخبرين من دون ذكر ما يقلل الزمان بين الفعلين ، وكذلك قصة شعيب لم يدل فيها على أنهم أوعدوا بعذاب قد أظلهم وقرب منهم ، وإنما أخبر عز وجلّ عن شعيب عليه السّلام أنه قال لهم :
اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
« 5 » فلم يتوعدهم بالاقتراب بل دعاهم إلى الارتقاب فالتخويف قارنه التسويف لقوله تعالى :
سَوْفَ تَعْلَمُونَ
فكان الموضع موضع الواو لخروج ما قبله عما يقتضي اتصال الثاني به ، وليس كذلك الموضعان اللذان نسقا على الأول بالفاء وهما قوله تعالى في قصة صالح :
فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً
« 6 » وقوله في قصة لوط :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
« 7 » فكان ذلك بعقبه غير متراخ عنه فاقتضى الفاء التي تدل على التعقب ، واتصال ما بعدها بما قبلها من غير مهلة بينهما ، وكذلك جاء في سورة العنكبوت في قصة لوط في موضعين بالواو ، وهما على هذه السبيل ، فالأول قوله بعد قصة لوط وقوله
لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
« 8 » إلى قوله :
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآية : 82 .
( 5 ) سورة : هود ، الآية : 93 .
( 2 ) سورة : هود ، الآية : 54 .
( 6 ) سورة : هود ، الآيتان : 65 ، 66 .
( 3 ) سورة : هود ، الآية : 57 .
( 7 ) سورة : هود ، الآيتان : 81 ، 82 .
( 4 ) سورة : هود ، الآية : 58 .
( 8 ) سورة : العنكبوت ، الآية : 28 .