المكانين ، حتى لم ينتظر بيوسف عليه السّلام الاستواء بعد بلوغ الأشد هو أن يوسف عليه السّلام أخبر اللّه تعالى عنه أنه أوحى إليه لما طرحه إخوته في الجب حيث قال :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
« 1 » وأراه عز ذكره الرؤيا التي قصها على أبيه ، وموسى عليه السّلام لم يفعل به شيء من ذلك إلى أن بلغ الأشد واستوى ؛ لأنه لم يعلم ما أريد به إلا بعد أن استأجره شعيب عليه السّلام ، ومضت سنون إجارته وسار بأهله ، فهناك أتاه ما أتاه من كرامة اللّه تعالى ، وقيل : إنه بعد الأربعين فلم ينتظر بيوسف في إيتاء الحكم والعلم والتشريف بالوحي ما انتظر به في موسى ، والحكم هو الفصل بين المتحاكمين المبني على العلم ؛ لأنه يكون بحسب ما يدعو إليه ، وقيل معنى استوى : كمل جسده وتمّ طوله وعرضه ، وخرج عن جملة الأحداث .
الآية الثانية من سورة يوسف
قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
« 2 » وقال في سورة النحل « 3 » :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ
وقال تعالى في سورة الأنبياء « 4 » :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ
.
للسائل أن يسأل فيقول : هل بين قوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
وقوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ
فرق ولأي معنى خص موضع بحذف من ، وموضع بإثباتها .
الجواب : أن يقال إن « من » لابتداء الغاية ، « وقبلك » اسم للزمان الذي تقدم زمانك ، فإذا قال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
فكأنه قال :
وَما أَرْسَلْنا
من ابتداء الزمان الذي تقدم زمانك فيخص الزمان الذي يقع عليه قبل تحديه ، ويستوعب بذكر طرفيه ابتدائه وانتهائه ، وإذا قال :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ
فمعناه : ما فعلنا في الزمان الذي تقدم زمانك فهو في الاستيعاب كالأول ، إلا أن الأول أوكد للحصر بين الحدين ، وضبطه بذكر الطرفين والزمان المتقدم قد يقع على بعض ما تقدم فيستعمل فيه اتساعا ، فأكثر ما في
هامش
( 1 ) سورة : يوسف ، الآية : 15 .
( 3 ) الآية : 43 .
( 2 ) سورة : يوسف ، الآية : 109 .
( 4 ) الآيتان : 7 و 8 .