تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الجواب عن ذلك أن يقال : إن هذه اللام تسمى لام الجحود ولا تخلو منه وهي تخالف لام كي بأشياء منها : أن لام كي يصح إظهار « أن » بعدها إذا قلت : جئت لتكرمني ، وهذه لا يصح فيها ذلك ، لا تقول : ما كنت لأن أفعل ، ومنها « أن » المصدر الواقع موقعه أن مع الفعل يصح اللفظ به فتقول : جئت للإكرام ، ولا يصح : ما كنت للإكرام ، ومنها أن اللام يصح حذفها والإتيان بأن مكانها ، فتقول : جئت أن تكرمني ولا يجوز ذلك في لام الجحود ، والسبب في ذلك أن لام كي تدخل على ما هو عذر في إنشاء الفعل ، ويصح أن يقصد به الماضي فحسب ، فتقول : جئتك أمس لتكرمني فلم تفعل ، فهذا وإن كان لفظه لفظ المستقبل ، فإنه بمقارنة كان صار بمعنى الماضي كما تقول : كان زيد يركب على حكاية الحال التي يستأنف فيها الركوب ، ويقول القائل : جئتك اليوم لتكرمني غدا ، فمتى علق بزمان لم يصح فيه الزمان الآخر ، وكذلك إن كان زيد فاعلا يصلح للماضي والحال ، وعلى معنى أنه كان على أن يفعل في أقرب الأوقات التي يستقبلها وليس كذلك معنى « ما كنت لأفعل » ؛ لأنه مبالغة في نفي هذا الفعل في الأزمنة كلها ، والمعنى : كون هذا الفعل مناف لكوني ، فإذا جعل السبب في نفي هذا الحدث كون المحدث والمحدث كونه فيما مضى كونه فيما يستقبل ، وفيما هو للحال ، فالمعنى لم يكن فيما مضى يقع مني هذا الفعل ، ولا يقع فيما يستقبل ، ولا في الحال لسبب ينافي وجوده ، وهو كون الفاعل ، ولذلك لا يصح من الأفعال في هذا المكان غير ما يتصرف لفظه من كان ، وإذا كان كذلك ، وكان هذا نهاية فيما يخاطب به العرب في نفي الفعل ، وامتناع وقوعه خصه اللّه تعالى بالمكان الذي لا يقع منه ذلك أبدا ولم يقع منه قط ، وهو أنه لم يكن فيما مضى يهلك القرى ظالما لها مع صلاح أهلها ، ولا يفعله ولا يليق بعدله ، وهو يتنزه عنه تعالى اللّه عن ذلك . وأما قوله :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
« 1 » فإنه لم يكن فيها صريح ظلم ينسب إليه ، ولم يكن ملفوظا به فيؤتى باللفظ الأبلغ في نفيه كما كان في قوله :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
« 2 » . . فإن قال : فلم ادعيت أن هذا أبلغ في الانتفاء من الظلم . قلت : أول ما يستدل به أن من عرف كلام العرب يعقل من قول القائل : ما كنت لأظلمك وما كنت لأشتمك وما كنت لأوذيك ما لا يعقله من قوله : ما كنت ظالما لك ، وما كنت شاتما لك ، وما كنت مؤذيا لك ؛ لأن ذلك نفي الظلم والشتم في وقت دون وقت ، وإذا قال : ما كنت لأشتمك ، فكأنه قال : ما كنت بضام
هامش
( 1 ) سورة : القصص ، الآية : 59 . ( 2 ) سورة : هود ، الآية : 117 .