عذاب الأخرى بل كان بعده :
وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 1 » فاقتص ما عوملوا به حالا بعد حال إلى أن هلكوا في الدنيا حيث قال :
فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
« 2 » . . . فإن قال فقد قال تعالى :
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
« 3 » . ولم يذكر في هذه القصة أحوالهم المنتهية بهم إلى عقاب الأبد . قلت أولا : ليست الآية على سنن الآي التي ذكرنا مما افتح بقوله :
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ
فإنها مثل الآيتين المتقدمتين في تضمنها ذكر الجملة من ابتداء أحوالهم إلى ما كان من هلاكهم لقوله :
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
« 4 » والمهلكون في الحقيقة هم المعاقبون بالنار والخلود فيها - نعوذ باللّه منها - فقد صار كل ما ذكر فيه مع « آياتنا وسلطان مبين » هو ما اشتمل على جملة ما عوملوا به إلى أن استقر مقرهم من عذاب اللّه الدائم عليهم ، وحقيقة السلطان من السليط : وهو الزيت الذي يضيء به السراج والسلطان الحجة ؛ لأنها تضيء فتبين الحق من الباطل ، والسلطان الذي يملك الناس ضياء يدفع ظلام الظلمة عنهم إذ كانوا لولا هو لصاروا من التغاور والتناهب في ظلام يتزايد ولا يتناقص ، كأنه ضياء يجلو ظلام الدنيا ، والآيات التي جاءت بعد التوراة والعصى واليد جاءت وقد أنارت وأوضحت عندهم الحق حتى سألوا أن يمهلوا ليؤمنوا إذ كشف عنهم ما أظلهم وإن عادوا بعد كشفه جللهم .
الآية العاشرة من سورة هود
قوله عز وجلّ :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
« 5 » وقال في سورة القصص « 6 » :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
.
للسائل أن يسأل عن الفرق بين
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى
وبين قوله :
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى
وكيف اختصت الآية في سورة هود بلفظ الفعل في خبر كان والأخريان بالاسم وهو « مهلك » ؟
هامش
( 1 ) سورة : الزخرف ، الآية : 48 .
( 4 ) سورة : المؤمنون ، الآية : 48 .
( 2 ) سورة : الزخرف ، الآيتان : 55 ، 56 .
( 5 ) سورة : هود ، الآية : 117 .
( 3 ) سورة : المؤمنون ، الآيتان : 45 ، 46 .
( 6 ) الآية : 59 .