تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١

الآية الخامسة والعشرون من سورة الأعراف

قوله تعالى :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
« 1 » وقال في سورة طه « 2 » :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وقال في سورة الشعراء « 3 » :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
. للسائل أن يسأل فيقول : قال في الأعراف :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
ولم يقل في طه ، ولم أدخل الفاء في قوله :
فَلَأُقَطِّعَنَّ
وأما في سورة الشعراء فإنه أتى بسوف تعلمون مع اللام فقال :
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
فما وجه اختلاف هذه واختصاص بعض بمكان دون غيره ؟ الجواب أن يقال : إن قوله تعالى :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
من الوعيد المبهم المعرض به أي : فعلت بجهل ما تعرف من بعد نتيجته وطرحت بذر شر عند حصده تعلم نهايته ، وهذا النوع من الوعيد أبلغ من الإفصاح بعذره على أنه قد قرن إليه بيانه وهو
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
الآية فنطق القرآن بحكاية التعريض بالوعيد والإفصاح بالتهديد معا . . فأما اختصاص سورة الشعراء بقوله : « فلسوف » وزيادة اللام فلتقريب ما خوفهم به من اطلاعه عليهم وقربه منهم حتى كأنه في الحال موجودا ، واللام للحال والجمع بينها وبين « سوف » التي للاستقبال ، إنما هو لتحقيق الفعل وإدنائه من الوقوع كما قال تعالى :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
« 4 » فجمع بين اللام وبين يوم القيامة كما جمع بينها وبين « سوف » على ما قاله تعالى :
وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
« 5 » . . وقد بينا أن سورة الشعراء أكثر اقتصاصا لأحوال موسى عليه السّلام في بعثه وابتداء أمره وانتهاء حاله مع عدوه ، فجمعت لفظ الوعيد المبهم مع اللفظ المقرب له المحقق وقوعه إلى اللفظ المفصح بمعناه ، ثم وقع الاقتصار في السورة التي لم يقصد فيها من اقتصاص الحال ما قصد في سورة الشعراء على ذكر نقص ما في موضع البسط والشرح وهو التعريض بالوعيد مع الإفصاح به . . فأما في سورة طه فإنه اقتصر فيها على التصريح بما أوعدهم به وترك
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وقال :
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
إلا أنه جاء بدل هذه الكلمة ما يعادلها ويقارب ما جاء في سورة الشعراء التي هي مثلها في اقتصاص أحواله من ابتدائها إلى حين انتهائها وهو قوله بعده :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى
« 6 » فاللام والنون في « لتعلمن » للقسم وهما لتحقيق الفعل وتوكيده
هامش
( 1 ) سورة : الأعراف ، الآية : 123 . ( 4 ) سورة : النحل ، الآية : 124 . ( 2 ) الآية : 71 . ( 5 ) سورة : النحل ، الآية : 77 . ( 3 ) الآية : 49 . ( 6 ) سورة : طه ، الآية : 71 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 131 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي