تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
« 1 » وهذا خطابه لفرعون وقومه وضميرهم منطو على ضميره إلى قوله :
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا
« 2 » بذكر في قوله :
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ
إنما هو في السابع من الآي التي جرى ذكره فيها وكذلك في سورة الشعراء لم يبعد الذكر بعده في سورة الأعراف ، ألا ترى أن آخر ما ذكر فيما اتصل بهذه الآية قوله تعالى :
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
« 3 » وذكره بعد ذلك في الآية الثامنة من الآية التي جرى ذكره فيها ، فلما بعد الذكر في سورة الأعراف خلاف بعده في السورتين إذ كان في إحداهما في السابعة وفي الأخرى في الثامنة وهي في الأعراف في العاشرة أعيد ذكره الظاهر لذلك . الجواب عن السؤال الثاني وهو قوله :
آمَنْتُمْ بِهِ
في سورة الأعراف و
آمَنْتُمْ لَهُ
في السورتين الأخريين : هو أن الهاء في
آمَنْتُمْ بِهِ
غير الهاء في
آمَنْتُمْ لَهُ
وكل واحدة تعود إلى غير ما تعود إليه الأخرى ؛ فالتي في
آمَنْتُمْ بِهِ
لرب العالمين لأنه تعالى حكى عنهم
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
« 4 » وهو الذي دعا إليه موسى عليه السّلام . وأما الهاء في
آمَنْتُمْ لَهُ
فلموسى عليه السّلام والدليل على ذلك أنها جاءت في السورتين وبعدها في كل واحدة منهما :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
« 5 » فالهاء في « إنه » هي التي في
آمَنْتُمْ لَهُ
ولا خلاف أن هذه لموسى عليه السّلام والذي جاء بعد قوله :
آمَنْتُمْ بِهِ
قوله :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ
« 6 » أي : إظهاركم ما أظهرتم من الإيمان برب العالمين وقع على تواطؤ منكم أخفيتموه لتستولوا على العباد والبلاد ، ويجوز أن يكون الهاء في
آمَنْتُمْ بِهِ
ضمير موسى عليه السّلام ؛ لأنه يجوز أن يقال : آمن بالرسول أي : أظهرتم تصديقه وأقدمتم على خلافي قبل أن آذنت لكم فيه وهذا لمكر مكرتموه وسر أسررتموه لتقلبوا الناس عليّ ، فاقتضى هذا الموضع الذي ذكر فيه المكر إنكار الإيمان به ، فأما الإيمان له في الموضعين الآخرين فاللام تفيد معنى الإيمان من أجله ومن أجل ما أتى به من الآيات ، فكأنه قال : آمنتم برب العالمين لأجل ما ظهر لكم على يدي موسى عليه السّلام من آياته ، وفي الموضع الذي ذكر فيه من أجله وعبر عنه باللام هو الموضع الذي قصد فيه إلى الإخبار بأنه كبيركم الذي علمكم السحر ، فلذلك خص باللام والأول خص بالباء ، وقد تدل اللام على الاتباع فيكون المعنى : اتبعتموه لأنه كبيركم في عمل السحر وقد يؤمن بالخبر من لا يعمل عليه ولا يتبع الداعي إليه .
هامش
( 1 ) سورة : طه ، الآيتان : 60 - 61 . ( 4 ) سورة : الشعراء ، الآية : 47 . ( 2 ) سورة : طه ، الآية : 64 . ( 5 ) سورة : طه ، الآية : 71 . ( 3 ) سورة : الشعراء ، الآية : 42 . ( 6 ) سورة : الأعراف ، الآية : 123 .