لفظ السحر من لفظه بعد ما أخرجه في صفته حيث قال :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
. فإن قال قائل : فقد ذكر اللّه في سورة طه « 1 » عن الملأ أنهم قالوا :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
قيل له قوله :
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
« 2 » خبر عن فرعون وملئه فلما كان في جملتهم غلب أمره على أمرهم ألا ترى أن ابتداء ذلك :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
« 3 » وهذا خبر عن فرعون ثم قال بعده :
أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
« 4 » وهو خطاب لفرعون ومن تبعه ، ويجوز أن يكون له وحده على ما يخاطب به الملوك من لفظ الجمع كما يخبرون بمثله عن أنفسهم ، فذكر قوله « بسحره » فيما حكاه من كلام فرعون ، فلذلك خلا منه الموضع الذي كان الخبر فيه عن الملأ من قومه فاعلمه إن شاء اللّه تعالى .
الآية الثامنة عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى :
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
« 5 » وقال في سورة الشعراء « 6 » :
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ
.
للسائل أن يسأل فيقول : لأي معنى اختلف اللفظان في الآيتين ، فكان في الأولى « أرسل » وفي الثانية « وابعث » وهل جاز أحدهما مكان الآخر ؟
الجواب : أن يقال : اللفظتان نظيرتان تستعمل إحداهما مكان الأخرى ، وقد جاء :
بعث الرسول وأرسله معا ، إلا أن أرسل يختص بما لا يختص به بعث ؛ لأن البعث لا يتضمن ترتيبا والإرسال أصله تنفيذ من فوق إلى أسفل ، وأرسل في سورة الأعراف حكاية قول العامة للملإ المؤدين كلام فرعون إليهم ، فلما تعالى عليهم ولم يخاطبهم بنفسه كان قولهم في جواب ما استأمرهم فيه واستشارهم في فعله على الترتيب الذي رتب لهم في الخطاب ، فكانت الحكاية باللفظ الذي يفخم به المخاطب كما فخم في تحميله ملأه أن يؤدوا كلامه إلى من دونهم ، ولما تناولت الحكاية في سورة الشعراء ما تولاه فرعون بنفسه
هامش
( 1 ) الآية : 63 .
( 4 ) سورة : طه ، الآية : 57 .
( 2 ) سورة : طه ، الآية : 62 .
( 5 ) سورة : الأعراف ، الآية : 111 .
( 3 ) سورة : طه ، الآية : 56 .
( 6 ) الآية : 36 .