من الغرق فصاروا خلفاء للهالكين وقيل : كانوا ثمانين نفسا وهلك سائر أهل الأرض . فإن قال : فالإغراق قبل أن جعلوا خلائف فكيف قدم عليه . قيل : يجوز أن يكون معنى :
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
إنما قدم لأنه من صفة أنجيناهم ، فلما أخبر عنهم بذلك ضم إليه الخبر الثاني ويجوز أن يكون معنى :
وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ
أي : حكمنا لهم بذلك ، ثم كان الإغراق بعده على أن الواو لا ترتيب فيها ولا يمتنع أن يكون المذكور بعدها مقدما على ما قبلها .
الآية الحادية عشرة من سورة الأعراف
قوله تعالى في قصة صالح :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » وقال في سورة هود « 2 » :
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ
وقال في سورة الشعراء « 3 » :
قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
.
للسائل أن يسأل : عن اختلاف الخبر الواحد في الأماكن الثلاثة وهو حكاية ما قاله صالح عليه السّلام لقومه لما حذرهم التعرض للناقة .
الجواب أن يقال : إن هؤلاء سألوا أن يخرج لهم من هضبة ملساء ناقة فسأل اللّه تعالى صالح ذلك ، وفي خبر آخر أنه بدرهم بهذه الآية لا عن مسألة كانت منهم فانفرجت عن ناقة بعد ما تمخضت تمخض المرأة ، والناقة عشراء ، فنتجت بعد ذلك فصيلا فكانت ترد ماء لهم بين جبلين يوما فتشربه كله وتسقيهم اللبن بدله وللقوم شرب يوم يخصهم ، فثقل عليهم أمر شربها وانقطاع الماء يوما عن مواشيهم بسببها ، وحذرهم صالح عليه السّلام التعرض لها إلى أن عقرها أحمر ثمود فصار سبب هلاكهم ، فالآية الأولى من سورة الأعراف عامة في جمل ما كان من وعظه لهم ؛ لأنه قال :
قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : آية تشهد بصحتها نفوسكم أنها من قدرة اللّه المختصة بفعله لا بفعل غيره ، ثم قال :
هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً
أي : هي ناقة ليست ملك أحد منكم ، وإنما هي للّه استخرجها
هامش
( 1 ) سورة : الأعراف ، الآية : 73 .
( 3 ) الآيتان : 155 ، 156 .
( 2 ) الآية : 64 .