تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنرئك في سفاهة وإنا لنظنك من الكذبين
« 1 » ولم يقل : فقال الملأ ؛ لأن ما بعد « قال » هنا مسلوك به طريق الابتداء بالخطاب إذ رمي بالسفاهة كما رمي نوح عليه السّلام بالضلالة فلم يدخل على واحد منهما الفاء التي تجعل الثاني متعلقا بالأول تعلق الجواب بالابتداء .

الآية التاسعة من سورة الأعراف

قوله تعالى :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
« 2 » وقال في قصة هود :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ
« 3 » . للسائل أن يسأل عن الفرق بين قوله :
وَأَنْصَحُ لَكُمْ
وبين قوله :
وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ
وما الذي اقتضى الاسم في الآخر والفعل في الأول وهل كان يصح أحدهما مكان صاحبه ؟ . الجواب عن ذلك من وجهين ، أحدهما : أن يقال إن معنى كلام نوح عليه السّلام ما نطق به القرآن ومعنى كلام هود عليه السّلام ما ذكره اللّه تعالى حاكيا عنه ، وليس لقائل أن يقول : إذا كان القولان صحيحين في موضعهما فهلا قال أحدهما قول الآخر . والوجه الثاني : أن يقال إن قول نوح عليه السّلام جواب من ضلل ؛ لأنه قيل له :
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وهود عليه السّلام قيل له :
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ
والضلال من صفات الفعل تقول : ضلّ فهو ضالّ ، والسفاهة من صفات النفس وهي ضد الحلم ، وهو معنى ثابت يولد الخفة والعجلة المذمومتين ، والحلم معنى ثابت يولد الأناة المحمودة ، فكان جواب من عيّب بفعل مذموم نفيه بفعل محمود لا بل بأفعال تنفي ما ادعوه عليه وهي أن قال : لست ضالا ولكني رسول من رب العالمين أؤدي إليكم ما تحملت من أوامره وأدعوكم بإخلاص إلى صلاح أمركم وأعلم من سوء عاقبة ما أنتم عليه ما لا تعلمون ، فنفى الضلال بهذه الأفعال ، وهود عليه السّلام لما رمي بالسفاهة وهي من الخصال المذمومة البطيئة وليست من الأفعال التي ينتقل الإنسان عنها إلى أضدادها في الزمن القصير مرارا كثيرة فكان نفيها بصفات ثابتة تبطلها أولى كما كان نفي الفعل المذموم بالفعل المحمود أولى . . فقوله ناصح أي : أنا
هامش
( 1 ) سورة : الأعراف ، الآيتان : 66 ، 67 . ( 2 ) سورة : الأعراف ، الآية : 62 . ( 3 ) سورة : الأعراف ، الآية : 68 .