من الصخرة أو الهضبة إمارة لصدق نبيه عليه السّلام لتؤمنوا عندها ، فاتركوها ترع في الصحارى التي هي أرض اللّه من الكلأ الذي هو من نعمة اللّه ، ولا تتعرضوا لها بسوء فيأخذكم عذاب ينال منكم ويؤلمكم ، وهذه المعاني المجملة في الآية الأولى زيدت بيانا في الآيتين . فالآية الأولى : تحذير للقوم على طريق العموم . فأما قوله في الثانية :
فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ
بعد ما قال في الأولى :
أَلِيمٌ
، فإنه اختص هذا المكان بقريب لما بعده من قوله :
فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
« 1 » فذكر المدة التي بينهم وبين هلاكهم وقرب ما توعدهم به من عذاب اللّه لهم ، والقريب لا ينافي الأليم بل هو أشد ألما إذ لم يكن بعد مهل ، فاختصاص الآية الثانية بقريب دون
أَلِيمٌ
لما ذكرنا من قرب الميعاد المقرون ذكره إلى ذكره . وأما الآية الثالثة ، واختصاصها بقوله :
فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ
« 2 » فلأن قبلها ذكر اليومين المقسومين بين الناقة وبينهم ، كأنه قال لهم : إن منعتموها يومها بعقر تنزلونه بها أخذكم عذاب يوم عظيم ، فيوم تؤلمونها فيه فيكون به يوم يؤلمكم اللّه فيه بعذاب الاستئصال وهو يوم عظيم عليكم ، وكل ذلك بمعنى واحد ، وهو أنهم إن عقروها عوقبوا ، فالألفاظ المختلفة دائرة على هذا المعنى واختلافها لاختلاف مواضعها المقتضية تغيير الألفاظ فيها .
الآية الثانية عشرة منها
قوله تعالى في قصة صالح عليه الصلاة والسّلام :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ
« 3 » وقال فيهم في سورة هود « 4 » :
فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
وقال في قصة شعيب عليه الصلاة والسّلام في سورة الأعراف « 5 » :
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
وقال في هذه القصة في سورة هود « 6 » :
وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
.
للسائل أن يسأل عن قوله تعالى :
فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ
وتوحيد الدار في موضع ، وجمعها في موضع وهل هناك فرقان بين موضع الواحد وموضع الجمع ؟ .
هامش
( 1 ) سورة : هود ، الآية : 65 .
( 4 ) الآية : 65 .
( 2 ) سورة : الشعراء ، الآية : 156 .
( 5 ) الآيتان : 90 ، 91 .
( 3 ) سورة : الأعراف ، الآية : 78 .
( 6 ) الآيتان : 94 ، 95 .