السورة
اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ
فلما افتتح العشر من أول السورة بالتمدح بما صنع أتبعه ما كان من جنسه مما فعل فكان الاختيار لفظ الماضي هاهنا كذلك ، فافهمه فإنه يفتح عليك ما يشتبه إن شاء اللّه تعالى .
الآية السادسة منها
قوله عز وجلّ :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
« 1 » وقال في سورة هود « 2 » :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
وقال في سورة المؤمنين « 3 » :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
.
للسائل أن يسأل : عن حذف الواو من
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا
في هذه السورة والإتيان بها في سورتي هود والمؤمنين .
الجواب أن يقال : إن الآيات التي تقدمت قوله :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً
في هذه السورة إلى أن اتصلت به في وصف ما اختص اللّه به من إحداث خلقه والبدائع من فعله من حيث قال :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
« 4 » إلى أن ذكر الشمس والقمر والرياح والنبات والأمطار والسهل من الأرض الطيب والحزن منها الصلد ، ولم يكن فيها ذكر بعثة نبي ومخالفة من كان له من عدو ، فصار كالأجنبي من الأول فلم يعطف عليه واستؤنف ابتداء كلام ليدل على أنه في حكم المنقطع من الأول ، وليس كذلك الآية في سورة هود ؛ لأن أولها افتتح إلى قصة نوح بما هو احتجاج على الكفار بآيات اللّه التي أظهرها على أيدي أنبيائه وألسنتهم صلوات اللّه على جماعتهم وتوعد لهم على كفرهم ، وذكر قصة من قصص من تقدمهم من الأنبياء الذين جحد آياتهم أممهم فعطف هذه الآية على ما قبلها إذ كانت مثلها ، ألا ترى أن أول السورة :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
« 5 » وبعد العشر منها :
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ
إلى قوله :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ
« 6 » ثم وصف حال من آمن باللّه ورسله وأخبت إلى ربه وحال من افترى على ربه وحصل على
هامش
( 1 ) سورة : الأعراف ، الآية : 59 .
( 4 ) سورة : الأعراف ، الآية : 54 .
( 2 ) الآية : 25 .
( 5 ) سورة : هود ، الآيتان : 1 ، 2 .
( 3 ) الآية : 23 .
( 6 ) سورة : هود ، الآيتان : 12 ، 13 .