والنمو لو لوحظ بالامعان ، وكالاشعار بأنه لم يؤته عبثا والاخذ لم يأخذه بلا عوض بل بعوض تام ، وكالايماء إلى أن المأخوذ منه لا يجوز عليه المن بالنسبة إلى الاخذ من الأنام لحصول العوض له في المقام .
كما أن لفظ
( رَزَقْناهُمْ )
أيضا يدل على أنه لا منة للمأخوذ منه في الايتاء والانعام إذ هذا المال حصل باعطاء الملك العلام وهذه الزكاة مطهرة للمال عن احتمال الحرام لو كان فيه شبهة الاختلاط بمال الأنام ومزكية للأبدان عن الآلام كزكاة الفطرة بعد أيام الصيام ومورثة لاجتلاب المحبة من الاخذ بالنسبة المعطى الذي هو ولي الانعام وموجبة لاكتساب صفة السخاء التي هي أم الفضائل وذلك لان الجود موجب لاخراج حب الدنيا الذي هو رأس كل الخطايا والرذائل عن القلب وموجب للتوكل التام على خالق الخلائق ويورث الحياء والشجاعة كما فصلت الكلام فيه في بعض مجالس كتاب ( مواعظ المتقين ) .
ثم إن اللّه تعالى بعد الفراغ عن بيان ما في اليوم الماضي هو المحبوب من التخلية عن الذنوب وما يتعلق باليوم الحاضر من الايمان بالغيب الذي هو غيب الغيوب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المبرأ من العيوب شرع فيما يتعلق باليوم المستقبل الموعود فقال : وبالآخرة هم يوقنون ، فان يوم الحساب يوم تظهر فيه ثمرات الايمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولا ريب ان الأنبياء الأخر لم يأتوا بأزيد من ذلك .
وهاهنا بيان آخر : لتبيان كون تلك الآية جامعة للعلوم الحقة الحقيقية وهو ان العلم الحقيقي على أنواع ثلاثة ينحصر علم القرآن فيها علم بالمبدأ وعلم بالمعاد وعلم ما بينهما من حيث السلوك وتعمير المراحل والمنازل وأخذ الزاد والراحلة وجميع علم القرآن لو لوحظ بالامعان والاتقان ينحصر فيما ذكر من البيان ولا ريب ان الملك المنان جمع جميع ذلك في سطر أو سطرين فقوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
إشارة إلى