والامر لا يخلو عن ذلك المقال وليس تكاليف الكتاب في جميع الأبواب ، بل جميع الكتب السماوية النازلة على الاسلاف الاشراف زائدة على ذلك ، وذلك المطلب من الصدر إلى السرار مذكور في تلك الآيات الشريفة على وجه الاستدلال بنظر الاعتبار بعبارة فصيحة بليغة بديعة مختصرة بلا أطناب ولا اقتصار في المقال .
ولما كان التخلية ( بالمعجمة ) على التحلية ( بالمهملة ) مقدمة بنظر أرباب الحال كما صرح به علماء الاخلاق في الطروس وألسنة الرجال وشهد به العقل والعادة في الاعمال ، كما أن المضيف يكنس البيت أولا ثم يزينه ثم يدعو ضيفه ليأخذ العطاء والنوال فلذلك قدم اللّه القادر المتعال التخلية ( بالمعجمة ) وقال :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
، أي يهدي القرآن أشخاصا وأناسا بعدوا أنفسهم عن أرجاس المعاصي المتقدمة والحاضرة والمستقبلة في الأقوال والأحوال والافعال والاعمال ، فان الانسان ما لم يبعد عن نفسه تلك الأصناف الثلاثة من المنقصة والوبال لم تنفعه نصيحة الناصحين من أهل الكمال ، بل لا يستمع إلى كلمات الواعظين في حال من الأحوال .
ولما كانت التحلية ( بالمهملة ) لا تحصل الا بالتخلية ( بالمعجمة ) فضم إليها ما يتعلق بالسلطان الحقيقي القادر المتعال وهو رب الأرباب ومالك الرقاب وخالق الماء والتراب وما يتعلق بالسلطان المجازي الظاهري وهو القلب الذي هو الباب لإفاضة الفيض من المبدأ الفياض الوهاب ، أما السلطان الحقيقي فعبر عنه بعبارة يستفاد منها جميع ما يتعلق به المعارف في كل باب وهو لفظ الغيب فان الغائب عن الحواس ليس كالمشاهد بالات الاحساس بل جميع صفاته لتجرده عن المواد أقوى وأكمل وأعلى وأفضل وأجلى وأرفع وأسنى من صفات غير من اتصف بالغياب فقدرته فوق قدرة القادرين وعلمه فوق علم العالمين وهكذا بقية الصفات في جميع