لذلك أثرا في كتب الأصحاب بل أكثر ما ذكر في هذا الكتاب لب لباب خص اللّه به بين الأتراب وحاصل هذه القاعدة التفكر في ألفاظ الكتاب وترتيب الحروف والاعراب وتركيب الكلمات القرآنية على نسق غريب يقضي منه العجب العجاب فلنذكر لبيان ذلك آيات ونتكلم فيها من غير ايجاز واطناب :
منها : ما في سورة الفيل فقد فسرتها في كتاب مفرد واذكر لب ما يفيد فيما نحن بصدده وأقول : أولا ان هذا القسم عذب المشرب حلو المذاق والمطلب ويمكن ادراجه في الملاحة اللفظية ، فان الملاحة قد يكون في المعنى كما مر وقد يكون في الالفاظ والحروف ولكن تسمية الملاحة اللفظية بالملاحة ليست من المعروف إذ الملاحة شيء لا يمكن تفسيرها فتأمل .
وادخال ما نحن فيه في السلاسة والجزالة أنسب وكيفما كان فقلت في سورة الفيل : لا يخفى على الأذهان السليمة والافهام المستقيمة والمتدرب بأفانين الكلمات العربية واقانين أساليب عبارات أساطين اللغة والسلاطين الأدبية ان قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
« 1 » ، في غاية الملاحة ونهاية السلاسة وأعلى درجات العذوبة وقصيا مراتب الجزالة فانظر إلى كيفية سهولة التلفظ بتلك الكلمات والحروف المرتبة والحركات المنضدة فكأنها كالماء الجاري بسهولة على المناسبات المخصوصة وقد خلت تلك الكلمات عن الكسرة الثقيلة وأما اشتمالها على الضمة في
( رَبُّكَ )
فإنما هو لان تكثير الفتح يوجب الثقالة كما قالوا بمنع توالي الحركات والفتحة إذا بلغت أربعا مع أن الكسرة أثقل من الضمة بشهادة الوجدان فتدبر .
وتفكر أيضا في كيف وفعل فإنهما مشتركان في كونهما على ثلاثة حروف وكذلك
( رَبُّكَ )
في الكتابة وان كان في التلفظ أربعة أحرف لتكرير الباء ثم سهولة التلفظ بالكلمات السابقة أوجب التكرير والادغام في ربك الموجب للثقل في الجملة
هامش
( 1 ) سورة الفيل ( 105 ) : 1 .