فهذا البيان ادعى لهم إلى اعمال تلك الأعمال وتحصيل تلك الأفعال ، إذ علموا من ذلك انها مصلحة خالصة عارية عن شوائب المضرة في الأحوال فسبحان من تنزه كلامه ومقاله عن مشابهة الأقوال ، فانظر بعين بصيرة هي لأرباب الحال ، ان هذه العبارة الوجيزة كيف حوت جميع ما مر من المقاصد وهذا عشر معشار ما أراده القادر المتعال بل نعوذ باللّه من ذلك التحديد في المقال .
العاشرة : اعلم أن من سلك المسالك المستقيمة للكلام وجد لها بالاستقامة دليلا وعلم أن كلام الملوك ملوك الكلام فيوضح له سبيلا فانظر بعين الاعتبار حتى تجد للاعجاز مسلكا جميلا ، ألا ترى ان مالك الملوك في هذه الآية الشريفة المحتوية للتكاليف الجليلة الجميلة كيف أفشى سبيل التوطين والاشفاق والتلطف قليلا قليلا وسهل على عباده في عبارته أداء عبادته تسهيلا فقال تعالى
( أَيَّاماً )
وهذه اللفظة جمع منكر أي ليس الامر بالصيام على الدوام حتى يكون تحميله على الأنام ثقيلا بل مقدار قليل من الأيام فيكون تحمله يسيرا جميلا .
وادرج في ذلك اللفظ حكما آخر من أحكام الصيام وهو أن أدائه منحصر في الأيام دون الليالي فبين حكما شرعيا جميلا ثم أكد ذلك التوطين واظهار التسهيل بقوله تعالى
( مَعْدُوداتٍ )
وهذه اللفظة أيضا جمع منكر سبيله سبيل المطلقات أي تلك الأيام مما يعد بعداد ويحسب بحساب يسير بالنسبة إلى أيام السنة فلا يكون صعبا طويلا .
ثم أكد التسهيل بتحرير أحكام المريض والمسافر ورفع الكلفة عنهم في الحال الحاضر ثم بين فضل الزمان الذي جدد للصيام بأنه زمان شريف أنزل الملك العلام إلى أشرف الأنام القرآن الذي هو من جنس المقرو والكلام فسبحان من أودع تلك الالطاف والرأفة والاشفاق والرحمة في بيان تكليف واحد من التكاليف في سطر أو سطرين من العبارة بأوضح العبارة وأحسن الإشارة .