في نهاية الرأفة كما في خطابات الأحباب سيما في هذا المقام فإنه كان مقام التكليف فخاطبهم بوصف شريف ووصفهم بأعلى درجات التوصيف وعرفهم بأكمل تعريف إذ الايمان أشرف من كل وصف شريف ثم كلفهم بالتكليف لطفا من الحكيم اللطيف وتقوية وتشجيعا للعبد الضعيف فيسهل عليهم صعوبة التكليف بهذا التوصيف الموجب للتشريف وهو من أبده البديهيات لدى الماهر العريف .
السادسة : اعلم أن قوله ( كتب ) بصيغة المجهول انما هو من باب الرفق والتلطف فلم يقل ( أوجبت عليكم ) بل المراد ان هذا شيء مفروض وحذف الفاعل للتعظيم وهذا كما يقال في العرف والعادة عند تكليف السادة ، انك كلفت بهذا ، أو فرض عليك الاسقاء تحصيلا للمعذرة واستحياء من الموالي بالنسبة إلى العبيد طلبا للسهولة ورفعا لكلفة المشقة فكان رب الأرباب كلف سكنة التراب على سبيل تكاليف الأحباب ليرفع عنهم بسبب الخطاب الدهشة والاضطراب وهذا لدى الخبير بمحاورات الأصحاب خلو عن عائبة الارتياب فاعتبروا يا أولى الألباب .
السابعة : اعلم أن اللّه تعالى أكد الاعتذار الأول ثانيا بتأكيد أكيد وسدد توطينهم بتسديد سديد وسلاهم بتسل جديد وسهل عليهم كلفة التكليف بتسهيل رشيد فقال تعالى :
كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
« 1 » . أي كما فرض الصيام على سلفكم من الأنام وان تخالف صومكم وصومهم في الكم والكيف وتحديد الأيام ، يعني ان هذا التكليف ليس مختصا بكم بل جرى قلم التكليف بذلك في الأمم السالفة والقرون الخالية وهم كانوا بأمره تعالى يتأمرون وبتكاليفه يتعبدون ولا يستكبرون ولا يستنكفون ، فأنتم بذلك أجدر لكونكم من أمة خير البشر ، ولا ريب ان الكلفة كالبلية إذا عمت طابت وإذا اشتملت سهلت وإذا استفرقت عذبت فثبت التأكيد الوكيد وحصل مطلوبية طول الكلام مع المحب الرشيد .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ( 2 ) : 183 .