الثامنة : انه تعالى بين حكمة الصيام للأنام فأتى بكلام متضح المرام قابلا لوجوه كلها يصلح شاهدا للمقام فقال
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
وكلمة ( لعل ) حيثما وقع في أي مقام بمعنى الطلب من الأنام والا فحقيقة الرجاء مستحيل من اللّه الملك العلام ، وهذا أحد وجوه الذي يتصور في المقام أي أطلب منكم التقوى والوقاية عن النار ومحافظة نفوسكم عن غضب الجبار فان الصوم يميت الشهوات المسببة عن قوة القوى التي هي من عساكر النفس الامارة إلى أسباب اليباب والثباب والبوار ويرفع الأغشية والحجب المانعة عن استعلاء الإفاضة عن الفياض المختار .
وثانيها : ان هذا المقال في مقام الاستدلال على نحو الموعظة الحسنة ليحصل به لشبهة المانع الدثور والاضمحلال ، بيانه بمقتضى الحال ان العقل حاكم في الأحوال بأن دفع الضرر لازم وان كان الضرر على سبيل الاحتمال ولا ريب ان ترك الصيام كسائر تكاليف الملك العلام مما يحتمل النكال وفعلها ليس جزما مما فيه العقاب والوبال والعاقل لا يرتكب محتمل الضرر والشر مع طرح طريق السلامة في المآل فقوله :
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
أي يحتمل أن يكون الصوم وقاية عن الوبال فتركه خارج عن قانون أرباب الحال .
وثالثها : ان هذا المقال جرى من لسان الرسول المتعال والترجي المستفاد من ( لعل ) ليس من الرسول بمحال .
ورابعها : انه للاطلاع والاشعار بتحقق وقوع مفاد ذلك المقال كما يقول الملك افعل الفعل الفلاني علك تتقرب إلي وتفوز بجوائزي الموعودة في المآل فإنه يفهم منه عرفا اني أعطيك الجائزة المناسبة لجزاء تلك الأفعال .
التاسعة : اعلم أن اللّه تعالى بقوله
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
، وطن نفوس المكلفين بتوطين أصلى وتسل أحرى فبين لهم بأن هذا التكليف وتلك الأعمال تزكية لهم في المال ورافعة عنهم الوبال ونفعها عائد إليهم دون خالقهم ذي الجلال والجمال