ومن هنا ظهر ان قواعد الفصاحة والبلاغة والمحسنات اللفظية والمعنوية ليست منحصرة فيما رقم في علم البلاغة بل هي غير محصورة احاطتها لعلام الغيوب لا غير .
ومنها ان قوله تعالى :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ
، فيه حسن آخر ، فان ليلة القدر وقعت عجزا للفقرة السابقة اعني قوله تعالى :
وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ
، ووقعت تلك اللفظة صدر الفقرة الأخرى أعني قوله :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
، ولم يذكر علماء البديع ذلك في المحسنات ، بل ذكروا رد العجز على الصدر في النثر ان يجعل أحد اللفظين المكررين أو المتجانسين أو الملحقين بهما في أول الفقرة والآخر في آخرها نحو : وتخشى الناس واللّه أحق أن تخشاه ، وبالجملة هذا في النثر غير مذكور في علم البديع ولم يذكره أحد مع أنه في الحسن بمكان ولو سمى ذلك في النثر برد الصدر على العجز أي عجز الفقرة السابقة كان حسنا .
ومنها ان في سورة القدر لزوم ما لا يلزم وهو من المحسنات اللفظية ، وهو ان يجيء قبل حرف الروى وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة وتنسب اليه فيقال لامية أو ميمية أو نحوها أو ما في معناه من الفاصلة أي الحرف الذي وقع في فواصل الفقرة موقع حرف الروى في قوافي الأبيات ما ليس بلازم في السجع مثل التزام حرف أو حركة أو سكون يحصل السجع بدونه مثل قوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
« 1 » . فالراء بمنزلة حرف الروى وقد جيء قبلها في الفاصلتين بالهاء وهو ليس بلازم في السجع لتحقق السجع بدون ذلك مثل فلا تنهر ولا تسخر ونحو ذلك وكذا فتحة الهاء غير لازم لتحقق السجع في نحو لا تنهر ولا تصعر ولا تنصر ونحو ذلك كما ذكر في قوله تعالى :
اقْتَرَبَتِ
هامش
( 1 ) سورة الضحى ( 93 ) : 10 و 9 .