لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
« 1 » .
فهل ترى ان الميزان المنزل من عند اللّه مع انزال الكتاب المقرون اسمه باسم الكتاب هو ميزان البر والشعير والاقط وهل توهم ان الميزان المقابل لرفع السماء هو القبان والكفتان ان هذا لابعد الحسبان بل المراد معرفة الملك المنان وصفاته وأفعاله وملائكته ورسله وكتبه وملكه وملكوته بالبرهان .
والحاصل انه : ما من شيء في عالم الحس والشهادة الا وهو مثال وصورة لامر روحاني في عالم الغيب هو روحه المجرد وحقيقته الصرفة وعقول جمهور الناس في الحقيقة أمثلة لعقول الأنبياء والأولياء فليس للأنبياء والأولياء أن يتكلموا معهم الا بضرب من الأمثال لأنهم أمروا ان يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم انهم في النوم بالنسبة إلى تلك النشأة والنائم لا ينكشف له شيء في الأغلب الا بمثل .
ولهذا كان من يعلم الحكمة غير أهلها رأى في المنام انه يعلق الدر على أعناق الخنازير ومن كان يؤذن في شهر رمضان قبل الفجر رأى أنه يختم على أفواه الناس وفروجهم وعلى هذا القياس ، وذلك لعلاقة خفية بين النشآت فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وعلموا حقيقة ما سمعوه بالمثال وعلموا ان تلك الأمثلة كانت قشورا ، قال اللّه تعالى في سورة الرعد :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
« 2 » .
فمثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضلال بالزبد ثم نبه في آخرها فقال :
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الحديد ( 57 ) : 23 .
( 2 ) سورة الرعد ( 13 ) : 17 .
( 3 ) سورة الرعد ( 13 ) : 17 .