وسيلة لدفع الضرر حصل من كيد أهل الضلال ولا يخفى ان هذا ليس اجبارا للنبي على عدم الاثم في الافعال والأقوال بل من باب الالطاف الخفية بسبب استعداد المحل بلا اختلال ولا ريب ان الالطاف الخفية المندوبة مؤيدة للأنبياء في اجتنابهم عن معصية اللّه ذي الجمال والجلال .
الثالث : ان قوله تعالى
( أَصْبُ )
دال على أن المفضل منه هو ما يدعوه النسوة اليه وهو الزنا فلزم أن يكون السجن والزنا شريكين في الحب ويكون السجن أزيد حبا من الزنا مع أن الزنا لم يكن محبوبا ليوسف أصلا لنبوته ؟
والجواب : ان أفعل التفضيل قد يكون معناه في مقام الاستدلال غير ما يشترك في معناه أي في غير معنى الافضال ، الا ترى ان من خير بين ما يحبه وما يكرهه ربما يقول هذا المقال هذا أحب إلي من هذا أو هذا خير لي من هذا ونحو ذلك من القال مع أن الامرين في الحقيقة لا يشتركان في تناول المحبة كما يشهد به جلية الحال ومما يقرب من ذلك الأقوال قوله تعالى :
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
« 1 » .
ونحن نعلم أنه لا خير في العذاب والنكال وانما حسن ذلك المقال اشتراك الحالين في باب النزول والانزال وان لم يشتركا في النفع والخير في المآل فذلك من باب وقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار الضلال على طاعة المعبود المتعال أو انهم لما اعتقدوا نفع ذلك فنزل الكلام على حسب ما يعتقدونه من الخيال ونحوه قوله تعالى في سورة الجمعة :
قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ
« 2 » . مع أن اللهو لا خير فيه في حال من الأحوال ومن ذلك أيضا قوله تعالى :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ( 25 ) : 15 .
( 2 ) سورة الجمعة ( 62 ) : 11 .
( 3 ) سورة الفرقان ( 25 ) : 24 .